الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: الجماهير العراقية ووهم العظمة

د. سعدي الابراهيم: الجماهير العراقية ووهم العظمة

 (ج2)

وذلك الشعور الذي انتاب عبد الكريم قاسم بعد ان تعرض لمحاولة الاغتيال الفاشلة في شارع الرشيد وسط بغداد عام 1959 ، هو لا يقتصر عليه وهو ليس حالة شاذة او فريدة ، بل انه شعور عام لدى كل انسان ، فمن منا لم يسمع احد الاشخاص يتحدث عن نجاته من حادث سيارة او حريق او انفجار او … ، وكيف ان هؤلاء الاشخاص يعللون سبب نجاتهم الى انهم على نياتهم ، او انهم اناس صالحون طيبون ، لديهم حظ وبخت ، مع ان اكثرهم غير متدينين والصوم والصلاة هي اخر شيء من الممكن ان يفكروا به ، وينسى المساكين بأن القرآن الكريم قد فند ما يقولون في اية كريمة (( ولكل اجل كتاب )) ، بمعنى ان الموت عندما يأتي لا يوقفه شيء ، لا اعمال صالحة ولا طالحة !. ولكن عبد الكريم قاسم قد ادرك زيف الكثير مما كان يقال له ، وادرك ايضا بساطة تفكيره وقلة خبرته وعدم قراءته الجيدة للتاريخ وتجارب الحكام الذين سبقوه وعلاقتهم بجماهير الشعب ، ففي صبيحة يوم 8 شباط 1963 ، لم يجد احدا من أولئك المصفقين والمادحين له، ولجمهوريته الخالدة ، ولم تعد صورته تظهر في وجه القمر كما كانت من قبل ، بل على العكس من ذلك بقي وحيدا محاصرا عشرات الساعات ولم يسعفه احد من الجماهير العريضة الا من ربطوا مصيرهم بمصيره ، وربما انه قد حدث نفسه وتسأل عن سبب تخلي الجميع عنه، ومن المحتمل ايضا ان يكون قد ادرك ان الكثير مما كان يقال له ، ما هو الا زيف وكذب وتملق. ولا يختلف الحال عن الحكام الذين قادوا العراق للفترة من 1963 وحتى 2003 ، خاصة في فترة النظام السابق اذ كانت الاهازيج والهوسات تقنع الحاكم بانه محبوب الجماهير وانه القائد الضرورة لكن لعل الكثير من ذلك هو مجرد شعارات. ربما ان الشعب والحاكم في العراق قد ملوا من هذه اللعبة التي دفع كل منهم ثمنها غاليا ، اذ ادت الاهازيج والهوسات والاغاني الوطنية الى ان تزيد من يد الحاكم بطشا وفتكا بالشعب ، وادت في الوقت نفسه اكاذيب الحكام وادعاءاتهم بالنبل والشرف الى ان يعطيه الشعب ثقته بهم ساعة الرخاء ويتخلى عنهم ساعة الشدة. والدليل على ذلك ، أي على ان الشعب والحكام في العراق قد تعلموا من دروس التاريخ جيدا، اننا لم نعد نلحظ مثل تلك الهوسات والاهازيج والمدائح والاغاني الحماسية، التي تمجد الحاكم وتمدحه الا نادرا ، وفي الوقت نفسه لم نعد نرى الحاكم يدعي بأنه زاهد بالسلطة والشرف والنبالة الا نادرا ايضا .

?>