برغم ان المبالغة في العمران والالوان والاضواء التي جعلته اشبه بالمادة المصنوعة ، الا ان روح المتنبي لازالت حاضرة فيه. ولا زال المثقفون يحجون اليه كلما استطاعوا الى ذلك سبيلا. والزائر لهذا الصرح الثقافي سيلاحظ عليه امورا كثيرة، اولها ان هناك ازدواجية لدى الشخصيات التي تمر خلاله ، حيث تجد الاغلبية اذا ما قلنا الجميع يحاولون الاتصاف بالثقافة والعلم والمعرفة ويتخلون عن شخصياتهم الحقيقية ويتركونها خارجه او عنده اسواره. وكذلك يلاحظ ان الذي يمر فيه سيشعر بأنه خارج هذا العصر ، كأننا في زمن اخر ، هو نفس الزمان الذي عاش فيه المتنبي وكتب معجزاته الشعرية. ميل واضح لدى الجمهور الى اقتناء الكتب والى التمتع برائحتها ومشاهدة اغلفتها وكل ما يتعلق بها من اوراق واقلام وبقية القرطاسية. حتى اصحاب الفن القديم او الحرف الفنية او المواهب المكبوتة، لا يتوانون عن اطلاق العنان لمكنوناتهم والبوح بما يمتلكون ويرغبون من فنون جميلة، صاحب العود يجلس في الربع الاول من الشارع، شعره مسدل من نهايته والشيب صار براقا بفعل المساحيق والابتسامة قد انسجمت معه، حتى العود يربض في احضانه مثل طفلة صغيرة او مثل قطة اليفة اعتادت صاحبها ، وهو يشدو بأغاني ناظم الغزالي ويطيل التركيز على اعجوبة (مياحنة غابت شمسنا الحلو ما جانا). والاحلى في الامر ان المارين يتجمهرون حوله ويوجهون عدسات هواتفهم نحوه، يسجلون ما يقول ويرددون خلفه، ولا يبخلون عليه بوضع ما تجود به انفسهم من المال فوق قطعة القماش المفروشة امامه. الاطفال مثل الفراشات ، من هول ما يشاهدون من اشياء جميلة يقفزون ويركضون ذات اليمين وذات الشمال ، يطالعون الوجوه ويبحلقون في المصابيح والازقة العميقة التي تثير في نفوسهم التساؤلات عن ما تخبيه من قصص ومن مخلوقات غريبة. اما الكتلة البشرية التي تقف بانتظام واحدا تلو الاخر كانها في فصيل عسكري، فهي فرصة اخرى للسعادة . الناس تقف في طابور طويل من اجل نيل صحن من الدولمة او البرياني البيتي، اي المعمول في بيت المرأة البغدادية التي تبيعه، طعمه خاص لم يطلع عليه بشر من قبل، تغطيه طبقة سميكة من الروبة، لبن الاغنام الرائب. وليس ببعيد عنه بائع اخر يثير اعجاب الناس ويولد عندهم الفضول، هو بائع المحار، بدون طبخ او لنقل لم تمسسه النار، فقط يرش عليها الملح ويطلب منك ان تأكلها.
وللحديث بقية..
هكذا هو شارع المتنبي قلب بغداد ورحها والخيط الذي يشدها الى الماضي الجميل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة