الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: محنة الصادقين

د. سعدي الابراهيم: محنة الصادقين

قد لا تكون المتناقضات في هذه الحياة مصادفة، بل تكمن وراءها حكمة عظيمة، لكننا اعتدنا عليها ولم نعد ننتبه للبحث في مكنوناتها او الاشياء السامية التي تقف خلفها، والمتناقضات كثيرة ، مثل: الليل والنهار والماء والنار والخير والشر والمرأة والرجل، والحياة يقابلها الموت والفناء. ومن بين المتناقضات التي نريد ان نتحدث عنها في هذا المقال، هو صراع الصدق مع الكذب ، صراع الحيلة مع الفضيلة . الصادقون في كل الازمان يسيرون خلف صفاء نواياهم ولا يحيدون عنها مهما كانت النتائج والكاذبون يفعلون العكس اينما شعروا بأن الموقف او الكلام او الحقيقة لا تتوافق مع رغباتهم ومع مصالحهم يتخلون عنها . هم يبحثون عن ما يرحهم بغض النظر عن كونه يمثل الحقيقة ام لا. ومن الطبيعي ان الصادقين هم الاكثر ثقة والاكثر قبولا في مجتمعاتهم او لنقل من المفترض ان يكونوا كذلك، لكن الواقع مختلف تماما، الناس تمتدح الصادق وتحبه وتؤيده وترغب بوجوده وتأمن جانبه. لكنها لا تحترمه ولا تخشاه وتقلل من اهميته. من هنا تبدأ المحنة وتبدأ المعاناة، حقوق الصادقين قد تضيع ورغباتهم وسعادتهم دائما هي في خطر. فهم يحزنون مرات كثيرة، مرة لآنهم الاضعف في مجتمعاتهم ومرة لآن ما يؤمنون به قد لا يرى النور ولا يتحقق واحيانا يضيعون حتى مصالح الافراد الذين يقفون خلفهم او يكونون مسؤولون عنهم. وهنا يتبادر الى الذهن سؤال: لماذا لا يتخلى الصادقون عن صدقهم ويعلنون انسحابهم من التنافس او الصراع مع الكاذبين؟ وهنا تكمن محنة اخرى  انهم لا يقدرون على فعل ذلك، كون الصدق جزءا من شخصياتهم وقيمهم، قد يحاولون فعل ذلك لكن بدون جدوى، فيبقون في حزنهم، قد يلومون انفسهم وقد يندمون على طيبة قلوبهم، حتى ان البعض منهم يعدها نوعا من البلاء والمرض الذي ليس له علاج. وجودهم في الدنيا زائد او انهم مختلفون عن البيئة التي يعيشون فيها. لكننا عندما نعود الى بداية المقال اعلاه، اي الى الحقيقة التي اشرنا اليها، حقيقة ان الحياة مليئة بالمتناقضات المستمرة التي لا تزول ولا تنتهي، سنعرف ان وجود الصادقين هو قدر لا مفر منه ولا نهاية له، ووجودهم ضروري للمحافظة على التوازن: النقاء يقابله الرذيلة والفساد.

?>