حسين عمران
لو استمرت إذاعة BBC عربي لخمسة عشر عاما أخرى لأصبح عمرها قرنا أي 100 عام بالتمام والكمال ، ولكن منذ ظهر الجمعة الماضية قلنا “وداعا BBC عربي”!.
فما الحكاية …؟
بعض المهتمين بسماع الإذاعات ، لابد وقد جذبهم الصوت القادم عبر الاثير ليعلن” هنا لندن – هيئة الإذاعة البريطانية ” وذلك بعد ان تدق ساعة بيغ بن دقاتها المعروفة عربيا وعالميا ، اذ كانت بداية الإذاعة في العام 1934 لتقدم نشرة الاخبار باللغة العربية ، وفي عامها الـ 88 تتوقف الإذاعة عن تقديم برامجها لتتحول الى المنصات الرقمية!.
وجاء قرار هيئة الإذاعة البريطانية أواخر ايلول الماضي بإغلاق الإذاعة العربية وإذاعات أخرى ضمن خطة (بي.بي.سي) للهيكلة نتيجة أزمة مالية ألغت بموجبها أيضا مئات الوظائف في وقت تحتاج المؤسسة إلى توفير 5ر28 مليون جنيه إسترليني من الموازنة السنوية التي تبلغ نصف مليار جنيه والتوجه صوب الإعلام الرقمي.
فالإذاعة البريطانية إحدى أعرق إذاعات العالم بدأ بثها عام 1920 من مصنع ماركوني بعبارة (This is London) وتحولت بعدها بعامين إلى شركة عامة ثم في 1926 أصبح مسماها هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) كشبكة غير تجارية تعمل بمبدأ الخدمة العامة كما أرساه مديرها العام الأول اللورد ريث.
وفي عام 1932 ظهرت الخدمة الإنجليزية العالمية للمتحدثين بها في جميع أنحاء الإمبراطورية البريطانية أما القسم العربي فهو أول الخدمات غير الناطقة بالإنجليزية وأسس ردا على (إذاعة باري) التي أطلقتها إيطاليا للمنطقة العربية عام 1934.
ففي الثالث من يناير عام 1938 بدأ المذيع أحمد كمال سرور أول بث موجه لمنطقة الشرق الأدنى “هنا لندن.. سيداتي سادتي.. نحن نذيع اليوم من لندن باللغة العربية للمرة الأولى في التاريخ”.
ومنذ ذلك الحين سطرت (بي.بي.سي) لنفسها تاريخا ساحرا من الثقة والمصداقية والرصانة وارتبطت بوجدان المستمع العربي “من نواكشوط إلى الكويت” شاهدة على أحداث المنطقة.
لكن في عام 2014 كانت النقطة الفاصلة عندما تقرر وقف تمويل القسم العربي من الخارجية لينضم إلى باقي الأقسام في ضريبة التلفزيون بعد أن كان “جزيرة يأتيها تمويل خاص”. ومع ذلك يبدو أننا لن نسمع (صوت لندن) بعد الواحدة من ظهيرة امس الاول الجمعة بتوقيت غرينتش عندما يغادر الأثير إلى الأبد. وحينما اتحدث عن الـ BBC العربي ، فانما اردت التحدث أيضا عن الصحافة الورقية في بلدنا التي باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة ، نتيجة المنصات الرقمية أيضا والتطور التكنولوجي ومواقع التواصل الاجتماعي التي اصبحت تنشر الاخبار اول بأول سواء كانت اخبار محلية او عربية او عالمية.
لكني لم ازل أتذكر مقولة لاستاذي في الاعلام / كلية الاداب الدكتور سنان سعيد رحمه الله حينما قال “من لم تتلطخ أصابعه بحبر المطابع لن يكون صحفيا”!!
فأية مطابع واي حبر يا دكتورنا العزيز رحمك الله في ظل التطور التكنولوجي والمنصات الرقمية ، واذا ما كنا قد قلنا امس الأول “وداعا BBC العربي ” فاننا ان شاء الله لن نقول وداعا للصحافة الورقية التي باتت ” تعيش ” على الإعلانات، وبدونها ستدخل غرفة الإنعاش وربما تموت كما ماتت عشرات الصحف الورقية التي صدرت بعد العام 2003.
com.husseinomran@yahoo
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة