يحكي دوستفسكي في احدى قصصه القصيرة الرائعة ، حتوتة حزينة عن طفل يتيم وفقير ، ثم يزرع في نهايتها شعلة من الامل وان كان بطريقة بكائية. هذا الطفل يولد في كوخ وسط منطقة عشوائية مهمشة، وتتصادف ولادته مع موجة من الثلوج التي جعلت الجو باردا للغاية. كل شيء حوله متجمد كل شيء حوله بارد ، في البداية كان يتدفأ في حضن امه مثل كل الاطفال في العالم، لكنه في لحظة من اللحظات شعر بأن امه قد طال نومها، انتظرها كثيرا حتى تستيقظ لكن دون جدوى. حاول ان يقوم بذلك بنفسه، مد اصابعه الى شعرها والى خدودها، وعندما شعر بأن جلدها بارد كالثلج ادرك بانها قد ماتت. هنا كان عليه ان يتدبر امر نفسه، ان يبحث عن الطعام والشراب من دون معونة امه، خرج هائما على وجهه الى المدينة ، هو لا يستطيع العمل لان جسده لا زال صغيرا، ومن يسمح لطفل صغير بالعمل؟. ما كان بيده الا ان يصير شحاذا يحاول كسب عطف الناس وهذا الكسب سيأخذه الى جيوبهم. مد يده مرة ومرات، لكن حتى هذه الطريقة لم تكن ناجحة ، الناس تزدري الشحاذين وتطردهم وتتشاءم من وجودهم. يذكر انه في يوم من الايام دخل الى حفل كبير، فيه ما لذ من الاطعمة وفيه الدفء والاثاث الفاخر، الناس مجتمعون فرحون وسعداء ، تردد كثيرا في الدخول الى المكان، لكنه تشجع اخيرا فاطل برأسه من الباب، ونظر الى وجوه الحاضرين، في البداية لم يثر دخوله انتباه الحاضرين، لكن عندما شاهدوا يده مفتوحة عرفوا بانه شحاذ صغير، فأومأوا اليه ان اخرج من المكان ولا تفسد علينا ليلتنا الجميلة. امرأة واحدة من بين الحاضرين اشفقت عليه، وقررت ان تعطيه عددا من النقود لعلها تجبر انكساره النفسي، فلحقته عند الباب ودست في يده النقود ورجعت على الفور الى الحفلة ظنا منها انها فعلت خيرا، لكن في الحقيقة الصبي الشحاذ لم يستطع اخذ النقود، لأن يده متجمدة من شدة البرد وبالتالي عجز عن ان يقبضها بأصابعه، حاول لكنه فشل فسقطت النقود وتدحرجت بعيدا عنه فتركها ورحل في الظلام. الجوع والبرد والوحشة وتنمر المجتمع وظلمه لهذا الصبي المسكين ، قد اطفأ نور الطفولة في وجهه واذهب ببراءته وصدقه ونبله ، بل اذهب بصحته، فسقط مغشيا عليه وسط الطريق. هنا سمع صوت امرأة تغني صوتها معروف لديه، نعم هو صوت امه فذهب اليها ووجدها تشدو تحت شجرة الميلاد وهناك شاهد السيد المسيح الذي ضمه الى صدره. الكاتب يقول كل الاحداث حقيقية الا مشهد لقائه بأمه وبالسيد المسيح فهي امور قد تحدث في الآخرة وليس في الدنيا.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة