في سوق الجمعة الكبير، القابع عند باب المدينة، يجيء الناس افرادا وجماعات، يطوفون حوله من شروق الشمس حتى اخر النهار. اغلبهم فقراء ومعدمون ومهمشون يبحثون عن الحاجيات الرخيصة التي تغنيهم عن الذهاب الى المولات وبضائعها الغالية الثمن، وقليل منهم مترفون يأتون لقتل الوقت. وسط السوق يضطر الواحد منا ان يصمت لا حبا بالهدوء والسكينة ولكن بسبب ضجيج الباعة وهم ينادون على بضائعهم المرمية على الطريق، الناظر اليها سيشعر وللوهلة الاولى انها بلا قيمة. خاصة وانها غير مرتبة بل مبعثرة هنا وهناك وكأنها من دون صاحب. لكن عملية التمعن فيها وتقليبها ولمسها لا تخلو من المتعة، نعم فوراء كل منها حكاية حتما، مدافئ كهربائية ونفطية وغازية، كانت بالامس تفيض على اهل الدار بالحرارة في عز الشتاء، لكن حدث شيء ما جعل اهلها يتخلون عنها ويأتون بها هنا للبيع. ايضا هناك: حنفيات وخراطيم، واسلاك وحقائب وسكاكين وملاعق، وملابس ولعب اطفال، وقطع مختلفة لا حصر لها من الادوات والاشياء التي يصعب تصنيفها. على كل حال ما لفت انتباهنا، بل انتباه كل المارين وسط السوق في ذلك اليوم، هو الصيحات المدوية التي يطلقها رجل يتراوح عمره بين الاربعين والخمسين، لا هو الطويل ولا هو القصير ولا هو الاسمر ولا الابيض، حتى علامات الوجه لا هي الحزينة ولا السعيدة . نعم كل شيء فيه متوسط، الا صوته عال جدا جدا، وفيه حشرجة او بحة كما يسميها اهل الفن والموسيقا. الكل توقف واخذ يبحلق في وجه الرجل ويطيل التركيز على ملابسه الزرقاء وحذاءه الداكن المائل الى الاخضرار. الكلمات التي يتفوه بها وهو ينادي على البضاعة كانت احد اسرار تميزه، واختلافه عن بقية المنادين، هو يصرخ عاليا: دراكيع دراكيع للبيع. فتنتشر حروف الكلمة ولحنها العجيب في كل نواحي السوق وتدخل اذان خلق الله رغما عنهم. حقيقة حتى كلمة دراكيع لم نشعر بأنها مهمة بقدر العبارات الاخرى التي كان يرددها، خاصة تلك التي اصابتنا بالذهول، فهو يقول بطريقته البهلوانية.. دراكيع دراكيع للبيع صحون قدور اسلاك ملابس للبيع.. ثم يضيف ولدي قلب مزعج للبيع، قلب استعملته كثيرا، واتعبني اكثر.. ويشير بأصبعه الى منطقة الصدر، ويكرر قلب مستعمل للبيع.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة