وحده الانسان يبتسم، بقية المخلوقات تعبر عن فرحها بطرقها الخاصة، قد تقفز او تطير او تنام بهدوء وسكينة او تألف الاماكن وتنمو وتتكاثر وتتفنن في بناء الاعشاش والبيوت، وتداعب صغارها وتغذيهم حتى لا ينتهي وجودها على سطح الكوكب، لكنها لا تجيد فن الابتسامة. الابتسامة هبة من السماء ترتسم على ملامح الوجه، الدماغ يصدر ايعازاته الى الخدود والفم والعيون وكل بقعة في وجوهنا، ان تحركوا باتجاهات معينة حتى يتحول الوجه من صورة او قطعة ترمز للحزن الى لوحة باسمة فرحة متفائلة. هذه الاوامر تصدر حتى لو لم يكن الانسان يشعر بالفرح الحقيقي او حتى لو كان حزينا، لكن الموقف يتطلب منه خداع الاخرين بالسعادة والفرح. اذا رأيت اسنان الليث بارزة فلا تحسب ان الليث يبتسم، قد يكون غاضبا او انه يستعد للهجوم والقتل والافتراس. قد يطلق البعض على النوع الاخير من الابتسامة بالابتسامة المخادعة او الماكرة او المنافقة، كونها لا تتعدى استجابة الوجه لأوامر العقل، بدون ان يكون هناك فرح حقيقي. اما بوذا، ذلك الرجل الفيلسوف الصالح، فهو لا يبتسم مطلقا، طريقة تعبيره عن الفرح تختلف عنا تماما، نحن نعبر عن السرور عبر وجوهنا، اما هو فيبتسم من الداخل، احشاؤه الباطنة تتحرك باتجاهات معينة ويبتسم، قد تكون الابتسامة على سطح القلب او الرئتين او عضلات البطن، لكنها ليست على الوجه. الابتسامة الروحية هي الاصدق عند بوذا لأنها تنبع من الاعماق، تنقل لنا صورة الجسد الحقيقية، كل الجسد. ماذا نفعل باللوحة التي تعتلي الوجه ان لم تكن صادقة. لعل هذا النوع من الابتسامة موجود عند الكثيرين من البشر، قد نرى الام تجلس في زاوية نائية من المنزل وتقلب حبات المسبحة، والخطوط تملأ وجهها، والتجاعيد اصبحت وديان دائمة تجري في وجنتيها ، لكن الرضاء والاطمئنان يعشعشان في قلبها. الرضاء بقضاء الله وقدره، والاستسلام لأحوال الدنيا وتقلباتها ومساراتها التي لا حول لنا امامها ولا قوة، كان عندها اب وام واخوة واخوات وجيران، لكنهم رحلوا جميعا وبقيت هي وحدها في هذا العالم تنتظر يوما تتبخر فيه مثلهم. كذلك الحال مع البعض من الاشخاص الذين يتركون امورهم على السماء، يتوكلون على ربهم، ولا يخافون من فقد الاشياء وان ضاعت او لم تأتِ او انها فقدت منهم لا يحزنون عليها كون الامور ليست بأيدهم بل هناك قوة اكبر منهم تدبرها وتحركها كيف تشاء، وبالتالي لا يشعرون بوجود داعٍ لقتل الابتسامة والبشاشة والرضى والفرح.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة