لن نجري اليوم عملية تحليل من بعيد، بل ان العينة التي بين ايدينا هي فعلا بين ايدينا، نعم نحن نعرف وزير الثقافة الجديد الدكتور (احمد الفكاك) منذ نحو عشرين سنة مضت، عندما تتلمذنا على يده، ثم تخرجنا وحصلنا على شهادة الماجستير والدكتوراه، ليصبح زميلنا في التدريس. لكن هذه العلاقة لن تؤثر في مسارات التحليل ولن تجعلنا نقول عنه ما ليس فيه او ان تكون توقعاتنا مجاملة عابرة لا عمق ولا صدق فيها.
نفسيا: الرجل تربى ونشأ في بيت كريم، فخرج انسانا طيبا محبا للناس ويسعى لخدمتهم جميعا، ثم نجح في حياته الدراسية وتخصص في مجال التاريخ، ومنذ مدة طويلة وهو يقوم بتدريس مادة علمية تسمى العراق المعاصر.تميز اسلوبه وسلوكه اثناء العمل الجامعي بالسهولة وبالاحترام، وكان ملما بالشؤون العراقية وتشعباتها، ومما سهل عليه الامور هو اللباقة والمقدرة الخطابية العالية التي تجلب اليه الانظار وتغطي على بقية الحضور بدون ان تستفزهم او تلغي ادوارهم الرسمية، ولا يختلف حاله في الكتابة والتأليف عن اسلوبه الممتع في الكلام، فله من القصص والاشعار والخواطر الكثير.اما على الصعيد الاداري فكانت ادارته اشبه بالسهل الممتنع، من السهل جدا ان تصل اليه وان تحصل على كل شيء، لكن اخلاقه وطريقة تعامله معك تجعلك تلتزم بوعودك وبالقوانين المرعية في العمل، وعندما يكون الفكاك مخيرا بين ان يؤذي نفسه وظيفيا او يؤذي مرؤوسيه، فأنه يفضل مصلحة المعية على مصلحته الخاصة، يجتهد ويغامر ما دام ذلك يصب في مصلحة غيره، وكثيرا ما دخل في مشاكل ومطبات من اجل الاخرين.هذه الطريقة في العمل وهذه الموصفات، جعلها البعض مدخلا للنيل منه ومحاولة ابعاده عن المقدمة، على عد ان المثل العليا التي ينطلق منها، لا تنسجم مع الواقع. كان من المفترض ان يضع الاشخاص اعلاه، في خانة الاعداء وان يرد عليهم بمثل ما فعلوه معه، لكن العجيب انه لم يحقد ولم يحسد ولم يكره ولم ينتقم.
السؤال: كيف ستنعكس السمات اعلاه على ادائه الوزاري؟
اخلاقه واسلوبه الطيب وقلبه السليم، ستجعل منه شخصية محترمة ومحبوبة في كل الاوساط التي سيعمل معها، وبالتالي سيكون عاملا ايجابيا وقائدا ملهما للشرائح التي تقصدها وزارته لا سيما انه مثلما قلنا اعلاه عنده النبوغ الفني والادبي. وكذلك الحال مع مسألة تفانيه من اجل خدمة العراق بما متاح لديه من وسائل، كونه يعرف كل شيء عن بلاده وزرع العراق في اذهان الطلبة على مر سنوات طويلة، وجاءت الفرصة السانحة لكي ينتقل من خدمة العراق الذهنية الى الخدمة الواقعية.
لكن هل ستسمح البيئة المحيطة لهذا الانسان الحقيقي ان يعمل بحرية؟ ام ان المحاصصة والذين في قلوبهم مرض سيقفون بوجهه ويمنعونه من اضافة اشياء جديدة للوزارة وافشال عملية تحويله الى قدوة في السياسة العراقية؟
نعتقد بأن فضائله وقيمه السامية لن تتوافق مع العمل السياسي، وبالتالي لن ينجح الفكاك في الوزرة كما نجح في اماكن اخرى، الا اذا تكيف مع الظروف الجديدة وطوعها لصالح انجاح تجربته واهدافه العليا.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة