كما هو معلوم للجميع أنَّ الدين وضعٌ إلهيٌ سائقٌ لذوي العقولً باختيارهم الى الصلاح في الحياة والفلاح بعد الممات، فالصلاحُ ثمرةُ هذا الدين لمن تمسَّكَ به منهجاً وسلوكاً في عالم الشهادة، والفلاحُ في العالم الآخرِ نتيجةٌ لهذا الالتزام الديني والتمسك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها في دنيانا، والذي يَعنينا هو الصلاح لمقابلته عالم الشهادةَ الذي تُقِلُّنا عرباتُ قطارهِ الى حيثُ محطتهُ الأخيرةُ التي ستبدأ عندها رحلتُنا البرزخيةُ اللاحقةُ. ملعبُ الرمادي الرياضي كان محطةً لفريقينِ ترجما الواقع الديني في الممارسة والتطبيق لديننا الذي نَدين به، كلٌ حسب فهمهِ وإدراكهِ، فكل منهما يمتلكُ أدواتهِ وأساليبهُ لتحقيق ما يصبو اليه ويرجوه. ففي الأمسِ وقبل سنوات بعد أن كان الظلاميون الارهابيون الداعشيون قد تصدروا المشهد في الانبار وسيطروا على زمام الأمور وأصبحت رقاب الناس رهينة بأيديهم فعاثوا في الأرض فساداً، فقتلوا الكثير الكثير من أهلنا في الانبار وشردوا الجموع التي لا حد لها ولا عد عن ديارهم ومنازلهم، وهذا الملعب الرياضي الذي تتسع مدرجاتُهُ ومستطيلُهُ الأخضر لأكثر من خمسة عشر ألفاً كان شاهداً على جرائمهم وأفاعيلهم المروعة فكان أشبه بمجزرة الخراف استخدمه الظلاميون كـ(قصاب خانة) لسفك دماء الناس وقتلهم بدم بارد!. ولكن في المقابل تحول هذا الملعب في ليلة الجمعة الماضية الى حديقة غنَّاء تجمعت فيه جموع مريدي الطريقة العلية القادرية الكسنزانية لإحياء ذكرى ميلاد المصطفى سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، والرائي هناك يرى القادمين إليه للمشاركة في هذه المناسبة العطرة على صاحبها افضل الصلاة والسلام يملؤون مدرجاتِهِ كلَّها بمستطيلهِ الأخضرِ أشبه بأغصان الزيتون التي ترمز للمحبة والسلام والوئام والوفاق، فشتَّانَ بين الحِرابِ التي تَقطُرُ دماً بريئاً وبين أغصان الزيتون الخضراء التي تبعث في النفوسِ المحبةَ والطُّمَأنينةَ، وشتَّانَ بين نارِ الظلمِ والجورِ للظلاميين وبين الكسنزانيين الذي كانوا في هذه الليلةَ كمصابيحَ مضيئةٍ بددت الظلامَ ودحرت الضلالَ على حد سواء. وخلاصةُ القولَ: الكسنزانُ دعوةٌ للحبِّ الذي فقدَهُ الناسُ ففقدوا الحقيقةَ الإنسانيةَ في الأجسادِ البشريةِ، والكسنزانُ هو الحبُّ الخالصُ المحضُ الذي يمتاز سالكُهُ بأنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وبالتالي يُحِبُّ خلقَ اللهِ، فهو يُحِبهُم بحُبِّ ربّهم وهو بحكمِ حُبِّهِ لهم يسعى في خيَرِهم وبِرِّهم، فما بالُكَ في مجتمعٍ يَحكُمُهُ الحبُّ والسلامُ والتسامحُ والتيسيرُ واللينُ والتعبُّدُ والتعاطفُ والشرفُ والإيثارُ وتحري معالي الأمورِ؛ كيف يكون أفرادُهُ؟ بالتأكيد لا يوجدُ في قاموسِهِم العنفُ والقوةُ والقهرُ والتعالي والخبثُ والبذاءةُ والاندفاعُ في أذى الناسِ؛ هذه قاذوراتٌ لا يَعرِفُها الكسنزانيون، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) صدق الله العظيم.
مجيد المداح




صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة