الاستراتيجية ليس لها تعريف محدد، ولا يمكن حصر معانيها بسطور معدودة، وهي ليست حكرا على علم من العلوم، بل انها كلمة متنازع عليها، الكل يدعي الانتماء اليها او انه يمارسها في حياته الخاصة والعامة، وهناك من اخذها الى خانة التعقيد والتشعب وجعل من فهمها امرا مستحيلا. لكن التعريف الذي نراه مناسبا، هو ان الاستراتيجية خطط بعيدة المدى لخدمة غايات سامية، والسمو هناك يختلف من انسان الى اخر ومن دولة الى اخرى، قد يكون السمو شيئا حميدا عند (س) لكنه شيء سلبي عند (ص) والعكس صحيح. واذا امنا بالتعريف اعلاه، فأن الصبر هو خير وسيلة للوصول الى الاهداف السامية، وهو رفيق لكل استراتيجية ناجحة سواء على الصعيد الشخصي او الجمعي، اي على صعيد الفرد والدولة. فعلى الصعيد الفردي، الحياة كلها لن تمضي من غير الصبر، الصبر على تربية الابناء حتى يكبروا، بل حتى بعد ان يكبروا، والصبر على الدراسة والنجاح او الفشل فيها، والصبر على اذى الناس واساليبهم وسلوكياتهم التي لا تحتمل في الكثير من الاحيان. وعلى هذا النحو نجد ان الاشخاص الاكثر صبرا هم الاكثر تميزا والاكثر نجاحا والاسرع وصولا الى غاياتهم العليا. لكن ينبغي التمييز بين الصبر وبين الكسل، الصبر يجب ان يكون العمل بمعيته اما الكسل فهو الجلوس بدون عمل وانتظار النتائج التي حتما لن تصب في صالح اصحابها. اما على الصعيد الدولي، فنجد ان الصبر هو جزء من استراتيجيات الدول العظمى والدول العاقلة. والعاطفة والاستعجال هو من شيم الدول غير المتقدمة اذا ما قلنا المتخلفة، ولهذا نرى ان الاولى تنعم بالاستقرار والحياة الهادئة والاخيرة تعيش حالة من العنف والضعف، وتخسر مكتسباتها عقب كل قرار خاطئ وغير رشيد. الصبر ايضا تتحلى به الدول الناجحة في دبلوماسياتها، خاصة في المفاوضات التي تتطلب نفسا طويلا ومزاجا صافيا وتأنيا في المباحثات ، حتى ان بعض الدول يقبل ان يضيع سنوات من اجل انجاز هدف قد يكون بسيطا على المدى القريب لكنه مهم على المدى البعيد. واستراتيجية الصبر موجودة عند بعض الدول مثل اسرائيل، فهذه الدولة الكيان، في الوقت الذي كانت المشاعر العربية تغلي ضدها في منتصف القرن الماضي، كانت هي تفعل العكس، تعيش حياتها بدون شعارات وبدون استعجال، العرب صريحون يفعلون ما يريدونه على عجل، اما هي فكانت تنسج خيوطها الدولية، تتحالف مع الدول القوية وتكسب التعاطف العالمي معها، وتسعى لتسخير المنظمات الدولية لصالها، حتى تفاجئ العرب واذا بها تجني المكاسب، هم يقل اندفاعهم وهي تحيط نفسها بسور امريكي – غربي ، لا يمكن اجتيازه. لذلك لكي ينجح الافراد وتنجح الدول، لا بد ان تجعل من الصبر جزءا من وسائل تحقيق استراتيجياتها المستقبلية.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة