غالبا ما ينقسم الناس الى فاعل ومفعول به. بل كل الحياة تكاد ان تكون هكذا. اشخاص نشيطون في حقل عملهم واخرون يتأثرون بالنشاط ويتلقون انعكاساته غير المحدودة. لكن في بعض الاحيان تظهر لنا فئة اخرى، هي ليست من خانة الفاعل ولا المفعول، هم المتفرجون، الذين لا يفعلون شيئا، يراقبون فقط. قد تكون عملية التفرج مريحة وغير مكلفة، لا ربح فيها ولا خسارة، لكن فيها راحة البال والاستقرار. هذا من الناحية النظرية العامة ، لكن من الناحية التفصيلية فأن الأمور مختلفة تماما! نعم مختلفة، لأنه اي التفرج يخالف الغايات التي من اجلها وجد الانسان، الا وهي المساهمة في اعمار الارض واصلاحها في حال مسها الفساد والخراب. قد يكون الاصلاح بكلمة او بفعل او حتى بالصمت ، عندما يكون الصمت مدويا. وعلى هذا الاساس فأن المسؤولية التي على عاتق المتفرج لا تقل عن تلك التي يتحملها الفاعل والمفعول، حتى ان الاديان وخاصة الاسلام اكدت على ان الانسان ينبغي ان لا يسكت عن الخطأ بل ان يغيره، بيده او لسانه او على الاقل قلبه، وذلك اضعف الايمان. والحجة المنطقية من رفض التفرج، ان رسالة الانسان هي العمل، والمشاركة، ولا مجال للانسحاب من الحياة، وتركها للأخرين وكأن الامر لا يعنينا، لأننا في هذه الحالة سوف نعطي انطباعا للخاطئ بأنه على حق ونبخس حق المحسن ونقلل من اهميته ومن شأنه. لعل من ضمن مشاكل العراق، ان هناك اغلبية من الناس تكتفي بالتفرج على ما يجري في البلاد من احداث، لا هم مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، يظن بعضنا انه بالتفرج يفعل عملا حسنا، على حد قولهم (كافي خيري وكافي شري). وننسى ان التغيير نحو الافضل هو جزء من واجباتنا كبشر اولا وكعراقيين ثانيا. ظاهرة التفرج نجدها في كل مكان: في العمل حيث يتصارع العاملون في الدوائر الحكومية على كل شيء وفي الوقت عينه نجد من بينهم من يجلس على التل. وفي الميدان السياسي ايضا، حزبين او شخصين هما المحور الاساس للحراك السياسي العام في البلاد، والكثير من الساسة لا حس لهم ولا ركزا. حتى داخل البيوت نجد ان بعض افراد العائلة لا يعنيهم الكثير من الملابسات البيتية ، هم متفرجون من بعيد. وفي نفس الاتجاه قيل: نحن لسنا محاسبون على ما نفعل فقط، بل نحن محاسبون على الاشياء التي لم نفعلها في الوقت الذي كان يجب علينا ان نفعلها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة