لعلنا وصلنا للربع الأخير من العمر أو ما يُسمى بخريف العمر، فالسنون ذهبت وأخذت معها الشباب والقوة، كنا بالسابق نرى كبار السن، ونعتقد أننا لن نكون مثلهم، ففي الربع الأول من العمر، ربع القوة والعنفوان، كنا نَظن أن الربع الرابع بعيد عنّا جِدّاً، ولم نتخيّل أننا سائرون إليه بسرعة لم نتوقعها، وكنا نظن أن وصول هذا الربع إلينا، سيكون بطيئاً جداً، ولكن ها هو قد يكون وصل إلينا،
فبتنا نرى أصدقاءنا شِيبَاً، بعضهم يتحركون أبطأ منّا، وبعضهم أفضل منّا، وبعضهم أسوأ منّا، أصبحنا نغفوا بمكاننا دون رغبتنا، ولكن صرنا نُقدر النِعَم التي نَرفُلُ بها أكثر من سابق عهدنا.فصار سيرنا بلا مساعد نِعمَة، وانعدام الآلام والأوجاع نِعمَة، وتذكّر الأشخاص والأيام نِعمَة، والنوم بلا أدوية نِعمَة، وعدم احتياجنا للطبيب نِعمَة، وأكلنا أصناف الطعام نِعمَة، ودخولنا الحمام بمفردنا نِعمَة، وخروج الأذى منّا طبيعيّاً نِعمَة، ورؤيتنا لما حولنا نِعمَة، وتنفسنا للهواء الذي حولنا نِعمَة، وشعورنا بروائح العطور حولنا نِعمَة، وسماعنا لأصوات من هم حولنا نِعمَة، وإحساسنا بكل ما حولنا نِعمَة، والله يقول: (وإن تَعُدُوا نِعمَة الله لا تُحصُوها ، إن الإنسان لَظَلُومٌ كَفّار). ونحن الآن في الربع الرابع من حياتنا، ولا نعلم طول هذه المدة، والتي من المؤكد أنها ستنتهي عنّا، وستأتي بعدها محاسبة لكل ما سلف، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فَشرّ والعياذ بالله، ولكن والحمد لله نحن ما زلنا أحياء، والباب ما زال أمامنا مفتوحاً، لنُكفّر عما حصل منّا من ظلم لغيرنا ولأنفسنا، إذ يمكننا رَدُ الحقوق لأصحابها، فكم ندمنا على أفعال لو لم نفعلها، وأفعال لم نفعلها لو أنّنا فعلناها، وأفعال نحمد الله أننا فعلناها. فالآن ما يُعَدُ حسناً فعلينا فِعلُه، فلا تأجيل للعمل الحسن بعد اليوم، فالحياة تمضي مُسرعةً، ولا ضمان لإنسان الوصول للربع الرابع، ولا وعد لأحد بالمرور على جميع الفصول بالحياة، فكم من أناس عاشوا الربع الأول فقط، وآخرون عاشوا للربع الثاني فقط، وآخرون عاشوا للربع الثالث فقط، وها نحن والحمد لله أدركنا رابع ربع من حياتنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أعذرَ اللهُ إلى امرئ أخَّر أجلَه حتى بلغَ ستِّين سنةً)، أي لم يترك له عذرا إذّ أمهَلَهُ هذه المدةَ وأوصله لهذا السن، فهو يكون قد بلغَ غايةَ العُذر، ولا عُذر له بعد ذلك إن لم يَتُب ويُحسن العمل.فعلينا الآن فعل كُلَّ خير نستطيعه، وما نريد أن يتذكره أحباؤنا منّا، فنحن في واقع حياتنا، قد نتخلّى عن ملابس قديمة نملكها، ولكن ليس كل قديم فيه المَلَل، ففي بعض الأشياء القديمة نِعمَة، وأفضل هذه النِعَم هم الأصدقاء الصادقون، فكلما قَدِموا وطال بنا مَعشَرُهم، زاد منهم ألقهم وبهاؤهم، فلنتمسك بأصدقائنا الصالحين القدامى ولنحافظ عليهم، فقلّمَا نَجِدُ اليوم صديقاً صَدُوقاً.وفي الختام أقول (نحن لا نستطيع أن نضيف وقتاً إلى حياتنا، لكننا نستطيع أن نضيف حياةً إلى وقتنا) هذه الحياة وهذا هو الوقت.اسعد الله اوقاتكم بكل خير وصحة وعافية سائلين المولى حسن الخاتمة والنظر إلى وجهه الكريم .. وجناته جنات النعيم.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة