الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: رجل يتحدى العولمة

د. سعدي الابراهيم: رجل يتحدى العولمة

اختفى السيد (س) عن مواقع التواصل الاجتماعي وصارت صفحته شيئا منسيا، اصدقاؤه ومعارفه وهم يتبادلون التهاني بالعيد السعيد شعروا بانه غير موجود في العالم الافتراضي، فبدأوا يسألون عنه: اين ذهب؟ هل قام بحظرنا او الغاء صداقتنا ام ان الامر اكبر واخطر من ذلك؟ بعضهم قال انه رحل الى بلاد اخرى كون السيد (س) غير مرتاح وغير منسجم مع من حوله وكان كثير الشكوى والهموم وشيء طبيعي ان يهرب الى عالم افضل، وبعضهم كان متشائما للغاية، قال لعله رحل خارج الدنيا باسرها فتقدمه بالسن قد يكون سببا كافيا لكي يموت خلسة بدون ان يراه احد. وقليل منهم من توقع ان تقف خلف الغياب اسباب أخرى. قد لا يكون سؤالهم عنه والجدال الذي دار حول غيابه ناجما عن حبهم له او  اشتياقا اليه ، بل احيانا يكون الفضول سببا يدفعنا لتفقد بعضنا بعضا .على اية حال فرغم كل الضجيج الذي أثير حوله، الا انه (أي السيد س) لا يعلم بذلك، فأصحابه الذين حاروا في تفسير غيابه لم يكلف احدهم نفسه للذهاب الى بيته والسؤال المباشر عنه ، وكأن الدنيا عبارة عن انترنيت وعالم افتراضي فقط، ولا يوجد عالم حقيقي يلتقي الانسان بأخيه الانسان. وعندما علموا في النهاية بأن كل ما فعله اخونا هو غلق صفحة الفيس بوك لم يصدقوا في البداية واعتبروا ان الامر نكتة او انه غير حقيقي بالأساس . فكيف للإنسان ان يترك وسائل التواصل الاجتماعي ومتعتها ولذتها التي لا تنتهي والتي صارت جزءا اساسيا من حياتنا، بل بالأحرى كيف له ان يتحدى العولمة؟!. نعم يتحدى العولمة، ويقف بوجه ادواتها، الا اذا كان مجنونا او ان هناك امرا يشغله عنها شرط ان يكون امرا مستعصيا للغاية. اما السيد (س) فكان يمارس حياته الاعتيادية، فقد فشل في ان يختم القرآن الكريم في رمضان ولم يقرأ منه الا الفاتحة والبقرة، وكان عليه ان يتم الختمة هذا الشهر، وعليه ايضا قضاء اخر ونذر اخر. وفي الوقت عينه، ابنته لم تكن متميزة في مادة الحساب، وكان عليه ان يعلمها جيدا، لأنه لا يحبذ ارسالها الى المعاهد البعيدة او الدورات الخاصة، لذلك قرر ان يدرسها بنفسه. ثم انه افرد كتابا ثقافيا مهما وقرر ان يقرأه ايضا، وهم بزيارة ارحامه، خاصة امه، التي فرحت بجلوسه الطويل بقربها وتلبيته لاحتياجاتها الخاصة، بعد ان بلغت من العمر عتيا. السيد (س) منهمك بالاعمال الجادة المفيدة ولا مجال عنده لتصفح الفيس بوك، ولم تعد تثيره العولمة ولا مغرياتها، فهو شخص قوي مختلف عنا.

?>