الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: من الصفر الى الصفر

د. سعدي الابراهيم: من الصفر الى الصفر

مسكين بني ادم اعطته الحياة وقتا معينا وقالت له تمتع به واستغله فيما ينفعك، لكنه ينسى هذه الوصية فيضيع عمره مشغولا بأمور لا تستحق التفكير. الانسان لو ينتبه قليلا سيجد بأنه كان في لحظة ما عدم ، وهي اللحظة التي تسبق خلقه ، تسبق تكوينه في بطن امه. اين كان ؟ وكيف كان ؟ ذلك امر لا يعلمه الا الله. بعضهم يقول كان قطرة ماء في ظهر ابيه . لكن حتى هذه المعلومة لا يمكننا ان نؤكدها ، فماذا عن الذي لم يتزوج وماذا عن الانسان قبل ان يكون ماء في ظهر والده ؟ اين كان ؟ وحتى لو افترضنا انه كان موجودا ؟ فمن اين جاء ؟ وتستمر الامثلة والتساؤلات الى ما لا نهاية. على كل حال جاء الانسان من الصفر. من العدم وتكون خلقه وصار على الشكل الذي نراه عليه . هو لم يعد يثير التساؤلات عن لحظات ما قبل المجيء ولم يعد يلتفت الى الوراء الى النقطة التي كان لا يشكل شيئا فيها . عقله يعلمه انه غير معني بها ، وبدلا من ذلك راح يركز على اشباع لذاته، واغناء احتياجاته ، يريد ان يأكل ويشرب ، ويأخذ ما في ايادي الاخرين ويضع في يده. اه لو ادركنا اننا منذ ذلك الصفر ونحن نركض باتجاه صفر اخر ، يا ليتنا عرفنا هذه الحقيقة. من العدم والصفر نجيء ونمضي الى الصفر والعدم مرة اخرى. مثل سهم اطلق منذ ان نولد ويصل الى مستقره عندما نموت. وما بين الصفرين لحظة عابرة هي اعمارنا. هذه القاعدة لا يستثني منها احد من الموجودات ، حتى الشمس تطلع من اللاشيء وتطير في السماء ثم تعود الى الصفر الى الاختفاء. الحقائق اعلاه غائبة عن الكثير من البشر ، يتصورون ان وجودهم عبث، وان لا قاعدة تحكم تصرفاتهم . لذلك ينطلقون في رحلة العبث منذ ان يولدون وحتى يموتون ، والعجيب ان الانسان لا يعتبر بنفسه ولا ينتبه الى فلسفة وجوده العجيبة ، بل ما يثير انتباهه هو فناء الاخرين ، فنراه يحزن لحظات عندما يفارق معارفه ، ثم ينساهم ، كأنه بمأمن من الرحيل الابدي ومعفي من الموت الذي لا مفر ولا مهرب منه. ولعل في ذلك نعمة مقصودة ، فلو ركزنا على حقائق امرنا لربما توقفنا عن العمل ، وجلسنا في بيوتنا ننتظر لحظة المغادرة ، ولما اثارت انتباهنا مغريات الحياة وزخارفها ، بصورة اخرى قد لا نستطيع تعمير الارض وهي المهمة التي كلفتنا بها السماء.

?>