خلق الانسان ليكون عظيما وسيدا على الارض، كل المخلوقات حوله خاضعة لقدرات عقله اللامتناهية. شرط ان يصوبها ويطورها بما يخدم منزلته العليا في الحياة. وهذا يقتضي منا ان نفكر بالأشياء المهمة في الحياة وان نغادر الامور الصغيرة التي لا تفيدنا بشيء وفي الوقت عينه تكون ثرة في طريقنا نحو المستقبل الزاهر. هذا الكلام جميل من الناحية النظرية لكنه لا يلامس الواقع من الناحية التطبيقية، حيث ينشغل الناس خاصة في بلادنا بالتوافه التي تلهيهم وتشغلهم عن التفكير الخلاق. على سبيل المثال في البيوت بعض العوائل مفتونة على نفسها وتمر بأزمات خانقة من سوء التفاهم ولربما الخصام بين افرادها، وعند البحث في الاسباب سنجد ان العائلة شغلتها بعض الامور الجانبية التي عكرت المزاج العام للأسرة وحرمت ابناءها من المقدرة على التفكير بالايام القادمة. حتى اذا ما كبر الاطفال وجدوا بأنهم لم يدخروا شيئا ولم يخططوا بشكل جيد وبالتالي جاء حصادهم على غير ما يتمنون. وفي الدوائر الرسمية للدولة ايضا نلاحظ ان الاغلبية من عناصر الكادر مشغولة بالصراعات البينية او السعي لغلبة هذا الطرف على ذاك او فرض الآراء على الاخرين حتى يقال عنا باننا اقوياء الشخصية واذكى من غيرنا، الكل يراقب الكل وينتظر أخطاءه. الامر الذي ينعكس سلبا على العمل ويجعله بدون غاية حقيقية او جدوى. اي يقود الى انحراف مسار قطار العمل عن سكته التي اسس من اجلها. بل ان الاهتمام بالتوافه يتجاوز حدود الاسرة ويتجاوز حدود العمل، ليصبح الداء الذي يعاني منه كل المجتمع. وهذا ما يمكن ان نلاحظه في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ان المجتمع يهب هبة رجل واحد على امر تافه فارغ، وفي الوقت عينه الناس تتفاعل مع الامور غير المهمة او السطحية وتتجاهل المحتويات المهمة النافعة، في شتى المجالات. والطامة الكبرى عندما ينتقل الاهتمام بالتوافه الى الدولة والى عقل صانع القرار، فتفقد الامة كلها البوصلة، وتبقى تراوح في مكانها. على عد ان الدول عليها واجب رسم المسار الى الامام و وضع الاهداف الاستراتيجية العميقة التي عند الوصول اليها تصبح الحياة اجمل. ولعل الاختلاف بين الدول المتقدمة وعكسها، هو ان الاولى ترسم وتخطط ولا تضيع طاقات ابنائها بالأمور العابرة، في حين ان الثانية تصرف كل امكانياتها على ما يجري اليوم وعلى ما يصادفها من حوادث عابرة، فتصل المستقبل وهي منهكة متعبة تركت قوتها في الخلف. اذن، ينبغي ان لا تشغلنا الاشياء البسيطة عن الاهداف والغايات العظيمة، فهذه زائلة بسرعة وتلك تنتظرنا في قادم الايام.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة