النظم السياسية هي ليست آيات منزلة من السماء، بل هي مؤسسات اوجدها الانسان لخدمته وتحقيق مصالحه وطموحاته. وبالتالي متى ما عجزت عن فعل ذلك فلابد من إصلاحها او تغييرها بالكامل والمجي بأنظمة أخرى تناسب حال البلاد. ومن بديهي القول ان الانظمة التي لا تتوافق مع البيئة المحيطة لا تقدر على المواصلة وتفشل، والعكس صحيح أيضا اي ان الانظمة المتوافقة مع بيئتها تكون أكثر نجاحا واستقرارا. هذا الحديث يجرنا للدخول الى العراق، ومناقشة ازمة تشكيل الحكومات فيه، فليس من العقل ان ننظر الى النظام على أنه شيء ثابت لا يمكن تغييره، حتى صار بعض الساسة يرفض الحلول المطروحة لتجاوز الازمة بحجة انها مخالفة للمادة كذا من قواعد الدستور. والمفروض ان يحدث العكس، اي ان نقول بأن مواد الدستور هي التي تخالف ظروف البلاد واحوالها ولا بد ان نغيرها بحيث نجعلها تساير الواقع. يستطيع العراقيون ان يسنجوا نظاما سياسيا يتناسب مع وضعهم الخاص، فما دامت المحاصصة والتوافق هي المبدأ السائد والسكة التي تسير عليها القوى السياسية جميعها، فيمكننا ان نجري تحويلات على هذا المسار، يرضاها الجميع وتكون مفيدة لهم أيضا. فبدلا من ان نقسم السلطة على الجميع بعد كل انتخابات، يفضل ان يكون التعديل الجديد بتقسيمها لفترة اطول، من خلال جعل عملية الحكم دورية متفق عليها ومثبتة، بحيث يتولى الحزب الفلاني قيادة البلاد لمدة أربعة عوام، ثم يخرج منها، ونعطي السلطة للحزب الاخر أيضا لمدة أربعة أعوام، وهكذا حتى تأخذ كل الاحزاب نصيبها وفرصتها في الحكم . مرة يتولى الصدريون السلطة ومرة تيار الحكمة ومرة القوى الكردستانية، وهكذا. في هذه الحالة سوف نعطي لكل منها الفرصة الكاملة لتطبيق برامجها ورؤاها من جهة، ونحملها المسؤولية الكاملة عن الاخفاقات من جهة ثانية، ونجنب البلاد مضيعة الوقت وهدر الثروات الذي يترافق مع كل تشكيل للحكومة. تبادل السلطة الطويل الامد هو تجربة ستكون عراقية خالصة قد لا تنجح الا في بلادنا. وهي تحتاج الى ترتيبات أخرى، مثل ان تتشكل ثلاثة تحالفات كبيرة ، واحدة للقوى الشيعية واخر للقوى السنية وثالث للقوى الكردية ، وهذه التحالفات حرة في تحديد الشخصيات التي ستتولى قيادة البلاد، نقصد الشخصيات المنتمية لها، هنا ستخلق روح المنافسة، ويسعى كل طرف ان يقدم كل ما لديه. لكن برغم سهولة هذا الطرح ، الا انه يحتاج الى درجة عالية من التفاني والالتزام بالاتفاقات، ومن بين الاتفاقات المهمة التي يجب ان تعقد هو السماح للطرف المستلم للسلطة بأن يأخذ فرصته، وعدم التشويش عليه أو محاولة افشاله. بل يجب الوقوف معه ومساعدته بكل السبل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة