تمر على الانسان ايام تصفو فيها نفسه، وتظهر السمات الحميدة الموجودة في داخله. بعض البشر يؤشرون هذه اللحظات ويطلعون الاخرين عليها لعلها تساعد على نشر القيم العليا في المجتمع، وبعضهم لا ينجحون في ذلك، ولعل هذه المهمة اي نشر القيم هي ليست من مسؤولية الناس العاديين، بقدر ما هي مسؤولية الحكومات، كونها تتعلق بمصالح شعبها. وبالنسبة للعراق فأن لحظات الصفاء قد نجدها في مناسبات عديدة، ومن ابرزها هو زيارة اربعينية الامام الحسين (ع). فأي منا يجيء الى كربلاء ويمر بين افواج الزائرين، سيشاهد اشياء لم يكن قد راها في مكان اخر، هي ليست تجمعات بشرية عبثية ولا الزائرين اناسا اعتياديين، بل هناك سمو وتجلي وظهور للمعدن الحقيقي للانسان. عندما تقترب من اي موكب، سيلتف حولك المشرفون عليه، سيمسكون باهدابك، ويحلفونك بالله تعالى ان تنزل ضيفا عندهم، فاذا فعلت وجدتهم فرحين مسرورين واذا رفضت اصفرت وجوههم وغطاها الزعل. يطبخون اطيب الطعام وازكاه، كل ما تشتهيه الانفس، الاكلات العراقية كلها تكون حاضرة هناك (اللحم المشوي – الدولمة – الرز بانواعه – الكبة بانواعها – الفواكه.. وغيرها) فضلا عن الاكلات الخاصة بالمناسبة (القيمة – الهريسة – الزردة – وغيرها). ويتبع ذلك توزيع الشاي الموجود في كل مكان، عند رؤوس الشوارع وقريب من المواكب، بل ان السيارات المارة قد تقوم بالمهمة، انت تمشي فتقف بقربك السيارة وينزل منها احدهم يطلب منك ان تأكل وتشرب مما تحمل يداه. الماء المثلج منثور على الارصفة وعلى اطراف المواكب. والجميل في كل ذلك ان الأكل والمشرب، يقدم عن طيب نفس، وعن رضاء روح. الناس في حينها تبغي كسب الثواب ولا تريد كسب المال. العجيب ان الاعطيات تتبارك في عاشوراء، عدد المواكب والاطعمة التي توزع لا تتناسب مع عدد الزائرين الكبير جدا، لكن الخير يكفي وزيادة، القدور تفيض بالبركات والماء لا ينفد، الزائر يأكل ويشرب حتى الشبع ويحمل جزءا منه الى بيته ومسكنه. ليس هذا فحسب، بل ان البيوت في كربلاء وجيرانها تفتح على مصراعيها للزائرين. يؤثر اهل البيوت على انفسهم من اجل اكرام الزائرين وراحة بالهم. وفوق كل ذلك تجد اللسان الرطب والترحيب الحار والذكر الحسن، والدعاء من الله سبحانه وتعالى ان يغفر الذنوب وان يستجيب الدعاء. لا مشاكل في الزيارات الا ما ندر وهي حالات شاذة جدا، الناس كالبنيان المرصوص متحابون متآخون، تذوب هناك الهويات والجنسيات، عاشوراء تكسر الحدود، وتجمع الخلق تحت خيمة صاحب الذكرى الحسين عليه السلام.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة