حامض واحد بلا زحمة عليك . هكذا نادى الحجي على صاحب المقهى الشعبي. وترادف مع صوته صوت رجل كبير في السن كان يجلس خلفه ، غير ان الاخير طلب قدحا كبيرا من الشاي وبطل ماء شرط أن يكون باردا حتى الانجماد. واخر صاح (صبلي جاي ثكيل) . ثم توالت الطلبات. الحجي استغرب من كثرة المطالب التي انهالت على كاهل صاحب المقهى . وكان يتصور بأنه الوحيد الذي جاء الى هذا المكان ، وزاد تعجبه اكثر عندما بدأ يتحدث مع من حوله ، اذ قال شاب في العشرينات من عمره ، شد شعره الى الخلف وأطلق جزء من لحيته ، مع زخارف تزين او تشوه ساعده الايمن ، وسلسلة فضية تلتف حول رقبته تنتهي بقرص دائري ، مكتوب عليه (احب الناس الى قلبي امي) ، قال الشاب : انه يجيء الى هنا هربا من اوامر والده التي تحثه على النجاح في المدرسة التي يكرهها ولا يهتم بها ولا ينتظر من زرعها حصادا، ابي دكتاتور في البيت .اما الشائب الذي طلب الماء المثلج اعلاه، والذي يبدو عليه الهم والتعب والملل ايضا ، فقد عرج على كلام الشاب ، قائلا : اما انا فوجودي هنا هو عكس ما ذهب اليه الشاب ، انا هربت من البيت لأني جزعت من السيطرة على سلوك ابنائي ورفضهم طاعة توجيهاتي الخاصة بضرورة الاهتمام بالمدرسة كونها الضمان الوحيد لمستقبلهم ، واضاف يا ليتني … ولم يكمل ، لكن الجميع عرفوا انه نادم على الانجاب. هنا ارتفعت ضحكات كثيرة من عمق المقهى ، جعلت الجميع يلتفت الى الخلف ، وتبين انها صدرت من مجموعة من الشباب الممدين بين كراسي المقهى ولا تكاد تظهر الا شعفات رؤوسهم ، والذين قالوا بصوت واحد وحزين : خالي الله يخليك عن اي ضمان تتكلم ، كلنا حاصلين على شهادات جامعية ، وكلنا مطرودين من البيت ، ولجأنا الى هذا المقهى لعلنا نجد فرصة عمل ، ليس لدينا واسطة و ليس لدينا انتماء للأحزاب ، لنا الله فقط.الحجي ابتسم وسأل صاحب المقهى : وانت هل هربت من البيت أيضا ؟ فحرك رأسه الى الاعلى والى الاسفل، بمعنى نعم. الانسان يذهب إلى الأماكن التي تطيب فيها روحه ، فلم تعد البيوت او لنقل بعض البيوت الملاذ الأمن للرجال ، ولا هي جنة عدن، وليست الوطن المقدس. لذلك تصبح المقاهي وحتى الشوارع عند بعضهم المنفى او البديل الذي لا غنى لهم عنه.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة