قيل ان السعادة تكمن في العمل والتعب والكد، وان البطالة هي أم كل الامراض والشرور. لذلك بعض العمال نراهم مفتولي العضلات، لا يعرفون الارق ولا يعرفهم. يضحكون ويمرحون برغم فقرهم المادي. قد يصل عمر أحدهم الى السبعين او الثمانين، لكن ذلك لا يمنعهم من دفع العربات او تحميل البضائع الثقيلة. والسبب ان هذه الشريحة من الناس تعمل . وليس لديها المجال للانشغال بمشاكل الحياة وتعقيداتها. وعلى العكس منهم ، نجد ان الامراض والعناء يكثر عند الموظفين في الدوائر الحكومية برغم انهم افضل من الناحية المادية من العمال البسطاء، فالرتابة والتكرار والبيروقراطية، ومقابلة نفس الوجوه يوميا والحسد والتنافس ولربما الصراع على المناصب المتاحة. فضلا عن قلة المهام التي يقومون بها يوميا، يجعلهم في حالة كسل بدني وضمور عقلي، فيكونون فريسة سهلة للعلل والاوجاع النفسية والجسدية. ولقد ازداد الطين بلة بعد ان دخلت الى عالمنا المعاصر شبكات الانترنيت، وتكاثرت وتعددت الأجهزة الالكترونية خاصة الهواتف، حيث صار الموظف يزرع عينه على الشاشات الصغيرة ويشد فكره ويعلق قلبه على ما ينشر في الفيس بوك وأخواته، مستقلا البطالة المقنعة التي يتمتع بها في العمل. هذا الاندماج المبالغ فيه بالأنترنيت، له سلبيات كثيرة على صحة الانسان وسلامته العقلية. فالعالم الافتراضي هو بيئة يسود فيها النفاق والتناقض، الناس تعجب وتتفاعل مع التفاهات، وتتجاهل الأشياء الثمينة والمهمة ولا تلتفت اليها. بل على العكس قد يتقصد البعض من رواد مواقع التواصل الاجتماعي إيذاء زملائه واقاربه نفسيا، عن طريق تجاهل او تسفيه ما ينشرونه، وبالتالي يقعد الناشر في بيته مذؤوما مدحورا حزينا معزولا. وفي الوقت ذاته فأن الموظف المسكين يظن انه يقوم بعمل مهم من خلال ما ينشره في صفحاته الشخصية ، يضيع وقته ، ويتقاعس عن اداء واجباته الحياتية الأخرى. البطالة الالكترونية أصبحت مرض العصر، قد يجهلها الكثير منا فيذهبون ضحية لها، من أعراضها القلق والاكتئاب وفقدان الرغبة بكل شيء، وعدم التلذذ بالأشياء الجميلة. لكن على العموم قد يكون هذا النوع من البطالة وقتيا، يزول مع مرور الزمن، ولعله نتيجة للانبهار المبالغ فيه من قبل الانسان بالثورة المعلوماتية التي وفرتها العولمة، وقد يخف الاعجاب تدريجيا حتى يختفي، والا فأن استمرار الناس بتضييع طاقتهم ووقتهم في العالم الحقيقي واهدارها في العالم الافتراضي اذا ما استمر فقد تجد الاجيال القادمة نفسها بدون مأكل او مشرب، او على الاقل بدون انجازات حقيقية، طبعا نقصد في البلدان غير المتقدمة التي تفتقر الى التخطيط المستقبلي.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة