منذُ أن خلق الإنسان وهو يصنع قيمه ويطورها عبر الزمن. في البداية كان حاله لا يختلف عن حال بقية المخلوقات، من الوحوش والهوام على الارض. لكنه في مرحلة لاحقة طور من نفسه، حيث أوجد مجموعة من الالتزامات التي تخلصه من حالة الفوضى، وتصن له حقوقه وتحفظ له كرامته. هنا ظهرت الاخلاق، التي قيدت من غرائزه ومن سعيه اللامحدود في سبيل الحصول على مصالحه. طبعا كان للرسالات السماوية والكتب المقدسة دور مهم في هذا الميدان، فضلا عن ما جاء به الفلاسفة والمفكرين من طروحات وافكار تضمنت مثلا عليا وسامية. ومن دون أن يشعر واذا الفرد محاط بسور من القيم الفضيلة، هذه القيم وأن كانت طريقة التعبير عنها تختلف من شعب الى اخر، الا انها واحدة من حيث خطها العام. فعلى سبيل المثال، السرقة منبوذة في المجتمع الامريكي وهي منبوذة أيضا في المجتمع العربي، لكن ربما ان مستوى النبذ مختلف من حيث الدرجة، فبينما في أمريكا يتولى القانون ردع السارق نرى أن الدين الإسلامي ونار جهنم قد تكون هي الهاجس الذي يمنع اللص من السرقة. نلاحظ برغم اختلاف المجتمعين الا ان الرفض واحد والاختلاف إنما في العقوبة المتوقعة التي سينالها السارق .ان هذه القيم وأن كانت تنسجم مع الفطرة الإنسانية، الا انها لم تظهر بشكل مفاجئ او انها نزلت على كل البشر بنفس الفترة الزمنية، على العكس من ذلك هذه القيم عرفتها مجتمعات معينة ثم نقلتها الى المجتمعات الأخرى، عبر الكتابة وعبر التجارة والسفر وتلاقح الشعوب وتلاقيها في ميادين الحياة المختلفة. اليوم يشهد العالم عملية تحديث وتغيير جذرية للقيم القديمة، هناك اعادة صياغة للمفاهيم، تغيير في معنى العيب والحرام، ولربما حتى في علاقة الانسان مع القوانين، الان قيم مثل الرجولة والملابس المحتشمة ، والذوق العام قد تم مسخها لصالح اخلاق جديدة، فعلى سبيل المثال: الكثير من الأشياء كانت عيبا في السابق لكنها اليوم تحررت من ذلك العيب، حتى الحرام او الخوف من الدين، أيضا جرى تسطيحه ، الدين أصبح مجرد عنوان عند بعض الناس لا علاقة له مع الواقع. ونفس الشيء الذي حدث مع القيم القديمة ، يحدث اليوم مع القيم الجديدة ، ظهرت هذه القيم في مجتمعات محددة ثم تمت عملية توسعتها ونشرها في كل العالم . وساعد في ذلك العولمة بادواتها المعروفة، خاصة وسائل الاتصال الحديثة، التي ألقت الحدود بين الدول وقربت المسافات بين البشر .ان سنة التغيير لن تتوقف، وهذه القيم الجديدة ستمسخ أيضا في يوم من الايام، لتظهر قيم أخرى قد تكون ردة فعل عن الموجودة اليوم او انها تشابه القديمة او مختلفة عنها بشكل كامل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة