الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: مرحلة ما بعد الدولة

د. سعدي الابراهيم: مرحلة ما بعد الدولة

الفرد او الفردية كانت هي السمة الابرز في حياة الانسان الاولى على سطح الارض. ثم دفعت الحاجة هذا الكائن الى ان يجتمع مع بعضه البعض على شكل تجمعات قل عددها او زاد، مجتمعات بدائية يتعاون افرادها من أجل الصيد والدفاع عن النفس واشباع الغرائز الأخرى. على اعتبار ان الانسان لوحده لن يقدر على تلبية كل متطلبات العيش. هذه المجتمعات المصغرة ومع استقرار الانسان تحولت إلى قرى ثابتة ، ثم تطورت اكبر لتتحول الى مدن اكثر ثباتا، ونقصد بالثبات هو العيش في مكان واحد، وليس التنقل من منطقة الى أخرى. ولقد بلغت النقلة النوعية أعلى درجاتها عندما ظهرت الدولة، وهي مرحلة من مراحل التقدم الانساني. اي ان الدولة لم تكن موجودة في بداية الخليقة، بل هي من صنع الانسان ومن إنتاجه. وهي محطة من محطات تطوره ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. وعند تتبع سيرة حياة الدولة سنجد بأنها مرت بعدة منعطفات، ودورة حياتها لا تختلف عن الانسان نفسه: ولدت ضعيفة اي مرحلة الطفولة ثم ازدادت قوة في مرحلة الشباب (مرحلة الامبراطوريات والأنظمة الدكتاتورية) ثم دب الضعف والانحلال في جسدها الان. ونقصد بالضعف والقوة هو مدى مقدرتها على تقييد غرائز الانسان ولجم جماحه، واخضاعه لأنظمتها وقوانينها . ان الانسان الذي أوجد الدولة واوجد النظم السياسية والقوانين، شعر في مرحلة لاحقة بأنها تقلل من حريته، وتكدر عليه عيشه، وتكبح سعادته. لذلك بدأ يفعل العكس، اي يقص اظافر الدولة، ويسحب منها السلطات والصلاحيات، وهذا ما نراه في الدول المتقدمة. كأنما هناك ردة الى الوراء، عاد الانسان الى حالته الاولى، عاد فردا يبحث عن ما يسعده بعيدا عن تدخلات الدولة وعن نظامها السياسي والقوانين الصارمة التي تنتظر خطأه لكي توقع عليه العقوبات . لكن هل سيلقي الانسان وجود الدولة بالكامل؟ هل ستشهد البشرية حالة من اللادولة؟ ان الاجابة عن مثل هكذا تساؤلات تحتاج ان يذهب الانسان بعقله الى المستقبل،  وأن يقرن توقعه بقاعدة ثابتة وهي (ان بقاء الدولة او زوالها يتوقف على مدى قدرتها على تحقيق مصالح الانسان)، بمعنى متى ما فشلت الدولة في ان تحقق للانسان مصلحته وتلبي طموحاته سوف يتخلى عنها. وطبعا في الوقت الحاضر وفي المستقبل لربما البعيد، يبقى الانسان بحاجة لوجود الدولة،  لأنها توفر له حالة من الطمأنينة والراحة النفسية. كونها تراقب المجتمع وتمنع طغيان الأقوياء على الضعفاء وتنظيم الحياة بشكل عام. لكن عندما يمتلك الانسان الوعي الى الدرجة التي تزول فيها المشاكل او على الاقل تخف، ففي هذه الحالة ربما ستصبح الدولة مؤسسة زائدة ويمكنه ان يتخلى عنها.

?>