عرفت البشرية منذ بدأ الخليقة العديد من الشخصيات التي بقيت حاضرة في الذاكرة الجمعية على طول الازمان. وذلك امر طبيعي لعظم الرسائل السامية والمبادئ العليا التي جاءت بها. وليس بعيدا عن ذلك ما تمر به الامة الاسلامية في هذه الأيام من ذكرى حادثة استشهاد الإمام الحسين (ع) وهو سبط النبي محمد (ص)، فيعم الحزن كربلاء التي شهدت الواقعة الاليمة، ويرتفع انين المؤمنين بقضيته وبكاؤهم على الحال الذي مرت به هذه الشخصية وحال من كان معها وقت المحنة. الشعائر الحسينية مطلوبة وضرورية للتذكير بالقضية وتخليدها ونقلها عبر الاجيال، وفي الوقت عينه هي متوارثة وتمثل قيمة حضارية تركها الأجداد. وفوق كل ذلك فأن الثورة الحسينية هي منهج للحياة، وتصلح لكل زمان ومكان، فهذه الشخصية الفذة لاحظت ان الحاكم يخالف سنة الأنبياء، ويمارس الظلم والفساد ولا يسوس الناس بالحق، فقررت ان تخرج لنصحه، وعندما جوبهت بالرفض والعناد قررت أن تواجهه بالسيف. اي اتبع المنطق في الثورة، الوعظ اولا، ثم استخدام القوة ثانيا. والحسين (ع) لم يرفع الشعارات فقط بدون تطبيق، بل كان صادقا فيها، وحاول انزالها على أرض الواقع، والا ما كانت لقضيته ان تأخذ كل هذا المدى من الاهتمام. وهذا على خلاف من يدعون إصلاح السلطة في الوقت الحاضر، ممن يكثرون الكلام بدون ان يطبقونه. كان الحسين (ع) بإمكانه ان يعيش على ميراث جده المعنوي وأن يأخذ المناصب والامتيازات والحصانات، لكنه فضل الجنة الدائمة على الدنيا الزائلة، فخلده التاريخ ورزقه الله الحياة الأبدية في قلوب الناس مصداقا لقوله تعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون). هنا ينبغي على الامة الاسلامية ومحبي الحسين (ع)، ان يجعلوا من سيرته نهجا لهم في الدنيا وأن يقتدوا بها في مواجهة الظلم والفساد، وأن تكون قصته مرشدهم ودليلهم في نشر الاصلاح وتطبيقه. بل، يجب ان تؤخذ الدروس من ثورة الحسين (ع) وتزرع في عقول الاجيال القادمة وفي قلوبهم، من خلال المؤسسات التعليمية كافة، وعبر طرق واليات منطقية لعلهم يترعرعون على ثقافة النزاهة والشفافية والتضحية ، فتنتقل بلادنا وكافة البلاد العربية والاسلامية الى حال افضل مما هي عليه الان.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة