ليس للسياسة شكل ولا لون ولا طعم محدد، هي شيء مرن اوجده الانسان لكي يكون متناسبا مع كل الاماكن والازمان . حتى لا يحير البشر في الكيفية التي يدبرون بها أحوال دولهم. لذلك سارعت الدول الذكية الى تطويرها وتغييرها بما يتوافق وظروفها الداخلية وبيئتها الخارجية . كما هو حال الغرب وامريكا وبقية الدول العاقلة ، اما الدول غير العاقلة ، فهي تختلف تماما في هذا الجانب ، فالسياسة عندها عبارة عن قواعد مستوردة تحاول دون جدى ان تطبقها بشكل حرفي ، ان تتلون بنفس لونها وأن تسير على نفس خطى غيرها من الدول ، والنتائج حتما لن تكون جيدة ، فكيف لدولة في عالم الجنوب ان تطبق قواعد سياسية تتبعها دولة تعتبر نفسها الاولى ديمقراطيا او الاولى اقتصاديا او الاولى من حيث الرفاه والعدالة الاجتماعية؟ العراق وهو ينتقل الى النهج الديمقراطي بعد فترات طويلة من الديكتاتورية كان ينبغي عليه ان يقولب النهج الجديد وفق ظروفه الراهنة . لا ان يتعامل معها على أنها مسلمات لا جدال فيها . ولا ان يضغط باتجاه الانسجام معها ، بل ان يفعل العكس، اي ان يطوعها ويضغط عليها من أجل ان توائم ظروفه الخاصة . لربما لو فعل العراق ذلك ، لتمكن من تجاوز المطبات الكثيرة التي وقع فيها ، خاصة موضوعة تشكيل الحكومات عقب كل انتخابات ، وايضا مسألة إقرار الموازنة العامة للدولة ، التي تتأخر واحيانا لا تقر اصلا .وبقدر تعلق الأمر بعقدة تشكيل الحكومة عقب انتخابات ٢٠٢١ ، فإن الأمر لا يتطلب كل هذا التأخير ، ولا تحتاج البلاد الى الانسداد السياسي الذي تمر فيه . فبما ان البيئة الداخلية وحتى الخارجية المحيطة بالعراق غير متهيئة للعمل الديمقراطي الاصولي او التقليدي ، فان الديمقراطية التوافقية هي الحل الأقرب للاستقرار في هذه المرحلة من تاريخ البلاد. خاصة وأن الشارع بدأ يستشعر ما يدور حوله ، ويفكر مليا قبل ان يعطي صوته ، وهو على أتم الاستعداد للخروج الى الشارع من أجل فرض رأيه على الحكومة ، وثورة تشرين كانت دليلا ساطعا على الوعي المتطور . بمعنى يجب ان لا نستعجل المسير نحو الديمقراطية المثالية ، بل ان نترك للشعب الفرصة لكي يصنعها بنفسه. وهذا ليس عيبا ، بل هو التسلسل المنطقي للعمل الديمقراطي ، واية قراءة سريعة للتاريخ ستظهر لنا ان كل الدول المتقدمة مرت بعقود اذا ما قلنا قرون من التجارب ، حتى تمكنت من ان تصل الى ما هي عليه الان من استقرار . ومن دون ذلك ، فستبقى بلادنا تراوح في مكانها وتعاني من ازمات لا نهاية لها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة