يفترض بالتاريخ انه يمثل الماضي، وانه ينتهي بالأمس. على اعتبار ان اليوم هو الحاضر وغدا هو المستقبل. لكن بعض الاحداث التاريخية لا تنتهي بنهاية ملابساتها ولا شخوصها، بل تبقى انعكاساتها ماثلة الى مدة طويلة. وقد يكون فعل الانعكاسات اكبر من فعل الاحداث نفسها. ولعل هذه الظاهرة توجد في كل دول العالم لكنها في الدول غير المتقدمة توجد على نحو اكثر وضوحا، ففي هذه الدول تنتشر البطالة وفائض الوقت، وبالتالي يضطر الانسان فيها الى اجترار الماضي وذكر احداثه وانزالها على ارض الواقع بين الحين والاخر، على اعتبار ان الحاضر لا جديد فيه والمستقبل ليس له مخطط يضبط ايقاعاته القادمة. ولعل العراق من بين تلك البلدان التي دفعت ولا زالت تدفع ثمن التاريخ ، فاغلب الصراعات والعنف والذي مرت به، انما كان لاسباب مصدرها الماضي، وطريقة تعاطي الاجيال الحاضرة معه. وبما ان المستقبل هو نتائج لليوم ، لذلك قد لا يكون مختلفا عنه. ان الضريبة الباهظة التي قدمها العراق جراء الماضي ، يجب ان تتعامل معها الاجيال الحالية والقادمة بشكل مختلف ، والا لاستمررنا نسير على نفس السنة وعلى نفس المنوال . ولربما ان الطريقة المثلى للتعامل مع احداث الماضي تكمن في هذه النقاط :
اولا – تبرئة الذمة: لا ذنب للإنسان العراقي الحالي بما قام به اجداده ، فتلك امة قد خلت لها ما لها وعليها ما عليها . وفي الوقت عينه فان الاعمال التي قامت بها الاجيال السابقة كانت نابعة من ظروف ذلك الزمان الخاصة ، وهي انعكاس له ، وليس من الحكمة ان نجيء بها الى الحاضر بظروفه الجديدة التي لا تشابه غيرها.
ثانيا – الوقوف على المحاسن : لكل انسان اعمال ، ولكل عمل وجهان حسن وسيئ ، وكلما ركزنا على الجانب المضيء كلما قلت العتمة وانتشرت الفائدة وعم الاستقرار النفسي . وهنا نقصد بالأعمال هي ما قامت به الاجيال العراقية السابقة ، فليس من المفيد ان ننظر الى الماضي بعين واحدة هي عين السخط والانتقاد والتجريح . فتنتقل عدوى المساوئ الى يومنا واليوم الذي يليه ، ولو فعلنا العكس ، اي لو ركزنا على ما هو حسن لصارت حياتنا احسن .
ثالثا – النظر الى الامام: الامم المتقدمة لا شغل لها الا القادم . تعيش حاضرها وتفكر في تطويره بالمستقبل ، ولا تفكر بالماضي الا بقدر الافادة والاتعاظ منه. والدليل اننا لم نشاهد او نسمع المواطنين في الدول الغربية او امريكا يسبون الحرب العالمية الثانية ، او يحقدون على بعضهم البعض بسبب مشاركة ابائهم فيها . بل ان شعارهم كل شيء انتهى في زمانه نحن ابناء اليوم.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة