هذا العنوان بقي يراود ذهن الانسان منذ تاريخ بعيد، ولا زال يسأل نفسه: ما الحكم الصالح؟ بمعنى أي من ان انواع الحكم هو الأفضل في العالم، هل هي الديمقراطية ام الديكتاتورية؟ طبعا من الصعب الإجابة عن هذا السؤال السهل الممتنع، على اعتبار ان لكل نظام سلبياته وإيجابياته. فبالنسبة للديمقراطية، وان كانت تعطي للإنسان اهم شيء في الحياة الا وهو الحرية، على اعتبار انه مخلوق له كرامة واحساس وقيم سامية تجعله يضيق ذرعا بأي محاولة للمساس بها. فضلا عن مساهمتها (اي الديمقراطية) في نشر السلم والاستقرار في المجتمع بحكم التداول السلمي للسلطة بين النخب. لكن هذا الجانب المشرق له وجه اخر اقل بريقا، وهو ان الديمقراطية تحتاج الى وجود شعب على درجة عالية من الوعي، وان يتفهمها، وبدون ذلك سنكون امام مظاهر ديمقراطية فقط، وغياب العمل الديمقراطي الجوهري. العراق اخذ بالديمقراطية منذ عام 2003، وجرت على اثرها انتخابات عديدة، وحقق من خلالها عدة منجزات مهمة للغاية لعل اهمها كما قلنا هي الحرية، والتناوب السلمي على السلطة. لكن ذلك لا يعني بأننا قد اتقنا العمل الديمقراطي او فهمناه حق الفهم. بل ان الحقيقة الماثلة للعيان والتي لا يستطيع احد ان ينكرها وهي ان العراق شعبا ونخبة حاكمة يحتاج الى فترة طويلة من الزمن والى تراكم قدر كبير من التجارب، حتى تتحول الديمقراطية الى ثقافة عامة وسلوك جماهيري جمعي. لكن ما علاقة ذلك بالحكم الصالح؟ ان علاقة الكلام اعلاه وثيقة بالحكم الصالح، وهو ان النظام السياسي الناجح هو الذي يتناسب مع الواقع، اي لا يكون مثاليا في الوقت الذي لا تكون البيئة المحيطة كذلك، او ان لا يسعى للتغيير السريع العابر للتفاصيل اليومية. الحكم الصالح هو الذي يفصل على الشعوب، لا يكون اطول ولا اقصر منها، بل مقدر عليها، يتطور اذا تطورت وينكفئ على نفسه اذا تراجعت الى الوراء. وفي هذه الحالة ينبغي ان نرضى بالقدر المتاح من الديمقراطية في بلادنا، وان لا نطالب بنظام مثالي، حتى نتأكد من ان الواقع هو الاخر قد صار مثاليا، والا سنكون امام حالة من التناقض التي ستؤثر حتما على سيرنا الى الامام. وهو ليس بالأمر الجديد، فكل الدول الديمقراطية مرت بمثل هذه الحالة من اللا توافق، بين من يطالب بأهداف وغايات عالية جدا، وبين واقعه غير المستقر، لكنها ادركت فيما بعد ان الرشد والعقلانية وقبول اقل المكاسب سيمهد الطريق الى اهداف اكثر اهمية في المستقبل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة