ليس للحياة على سطح الارض بداية معلومة ، برغم كل الجهود التي بذلها العلماء لتفكيك شفراتها . كما ان تاريخ نهاياتها ليس معروفا ايضا ، لكنها حتما ستنتهي في يوم من الايام كما اكدت الكتب السماوية وعلى رأسها القرآن الكريم. في الممر الممتد من البداية الى النهاية تقسم الايام على بني ادم ، فيأخذ كل منهم حصته ، والحصة هنا هي الفترة الزمنية التي يعيشها ، وكأنها فرصة تمنح له ، ليقدم فيها كل ما يستطيع ، او بالأحرى ليضيف ما يمكن اضافته، ولربما ان هذه الاضافة هي بمثابة الاثر الذي سيتركه على جبين الزمان، وكلما كان عميقا ومهما ومؤثرا ، كلما بقي وعاش اكثر ، والعكس هو الصحيح. الانسان هنا ، لا يدرك كل هذه الاشياء ، فهو في غفلة عنها ، الا من رحم الله وفتح عليه ففهمها فهما صحيحا. الذين يجهلون الحقيقة يتراكضون خلف الدنيا ، يتصارعون ويتقاتلون ، فيعيشون فيها بالبغض والحسد والحقد ، لا يشعرون بلذة الدهر ، ولا يقدرون على تقديم شيء جديد ، اي انهم لا يعطون للحياة ما تريده منهم وما خلقوا من اجله . وعلى النقيض من ذلك ، بعض البشر تتنزل عليهم السكينة والهدوء وينعمون براحة البال ، لانهم فهموا الدنيا فهما صحيحا ، تتكشف عنهم الخفايا ، ويزول الغطاء عن ابصارهم فيصبح بصرهم حديدا. وبين هؤلاء وهؤلاء ، توجد فئة من الناس ، يتقلبون بين الاثنين ، لا هم مع من فهم ولا هم مع الغافلين. البعض منا يظن بانه قضية او انه شيء مهم، فيتكبر ويطغى ويظلم ويعاند ، ثم ما نلبث ان نقرأ نبأ موته ، المسكين كان يعتقد ان موته سيكون نهاية العالم ، لكن ما ان تمر ساعات حتى يتحول الى ذكرى ، يمحى اسمه ويتحول الى المرحوم فلان . هذا في الايام والاسابيع الاولى بعد موته ، اما ان مر الشهر والسنة والسنين ، فسينتهي كل شيء يخصه . ماله يضيع في جيب الورثة وسمعته تذبل ، حتى الزوج او الزوجة ، يزهر في عيونهم المستقبل من جديد ، فيتطلعون لركوب قطار اخر غير قطاره. هذه الفلسفة القاسية ، تطبقها الدنيا منذ ملايين السنين ، ولا زال الانسان او لنقل بعض الناس يجهلونها ، ولعل السبب الاول في ذلك هي تركيبته الجسدية ، ففي عقولنا توجد خلايا قد تكون متخصصة بالتضليل ، تخدعنا وتوهمنا ، وتجعلنا ننسى ، والا لو نظرنا الى عمق التاريخ سنصاب بالذهول: الملوك العظام والقادة الشجعان، كلهم غادروها مرغمين، كما سنفعل ذلك بعد حين.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة