ليث عبد الهادي كاظم
ولم يكن ابو نضال قادراً على المساعدة في هذا المجال، ولكنه على ذمة عيسى لم يُعد اليهم الاموال ابداً. فكان – – ذلك احد اسباب طرده من بغداد في نهاية الامر أُصيب ابو نضال بنوبة قلبية استدعت نقله الى السويد لاجراء عملية جراحية. وقد دفع العراقيون الفواتير بسخاء . والى هذا اليوم لا يزال ابو نضال، كلما سعى الى كسب العطف، يبادر الى فك أزرار قميصه ليعرض آثار جراحته …. وبدأت الصدامات ما بين ابو نضال والحكومة العراقية بعد ان تعافي ابو نضال من ازمته القلبية واعادة امور تنظيمه الي نصابها وخروج ناجي علوش بحركة ثورية جديدة واتهم ابو نضال السلطات العراقية بالوقوف الى جانب ناجي علوش ومده بالأموال والسلاح بعد عملية القلب عام 1979 ، لم يعد ابو نضال يستطيع ان يتحمل حرارة صيف بغداد اللافحة، فاعتاد على قضاء اشهر عدة من السنة في بولونيا حيث نقل عائلته الى دار واسعة على بعد ستين كيلومتراً خارج وارسو. ولم يكن يزور العالم العربي الا لماما،ً وراح يتصل مع زملائه بواسطة مراسل. كانت تلك فترة نقاهة واستجمام واعادة تخندق. وسمى نفسه ” الدكتور سعيد”، منتحلاً شخصية رجل اعمال دولي، وفي السنة الاولى من اقامته لم تكن السلطات البولونية تعرف من هو. كان غطاؤه شركة مقرها في وارسو واسمها ساس ولها فروع في برلين الشرقية وفي لندن، ومن خلالها كان يتاجر مع شركات الدولة البولونية. وكان من بين صفقات شركته هذه شراء 4 آلاف رشاش من طراز العقرب سكوربيون وبما ان البولونيين كانوا يبحثون بيأس عن عملات اجنبية ، فقد اختاروا ان لا يدققوا كثيراً في الجهة المرسلة اليها تلك الاسلحة . وتعود علاقة ابو نضال ببولونيا الى اتصالات كان اجراها مع السفارة البولونية في بغداد عام 1974 . وعندما اخذ صراعه مع فتح يشتد، شرع باستخدام الرشاوى وتجارة السلاح لتقوية علاقاته مع اوروبا الشرقية. وفي اواخر السبعينات اودع ابو نضال عشرة ملايين دولار في مصرف بولوني فتحسّن مركزه في تلك البلاد . استقر ابو نضال في بولونيا عام 1981 لأنه لم يعد يحس بالامان في العراق. فقد اشعرته السلطات العراقية بتغير موقفها بعدد من التحركات غير الودية. واعلمته بانها لن تصدر جوازات سفر عراقية لاعضاء منظمته اعتبارا ًمن 1 كانون الثاني يناير 1981 ، وكان من نتيجة ذلك ان 120 من رجاله انتهت مدد جوازات سفرهم وجدوا انفسهم يواجهون المصاعب. وفي الوقت نفسه بدأت المخابرات العراقية تراقب المحادثات في مكاتبه ببغداد، ما ارغمه وزملاءه على الذهاب الى معسكر التدريب في الرمادي بعيداً عن بغداد كلما رغبوا في التخلص من هذه الرقابة التي تضايقهم. وكان في ذلك ازعاج مربك لا يستهان به ففي الوقت الذي كان مصنع السلاح الذي أنشأه ابو نضال بمشاركة عراقية أخذ مكانةً لا يستهان بها في تصنيع بعض انواع الاسلحة منها قاذفات آر بي جي 7 وهاون 60 وبعض الصواريخ الموجهة لاسلكيا واستدعي ابو نضال العديد من الكوادر الفنية الفلسطينية بهذا المصنع حتي ان ابا نضال فكر بمساعدة العراقيين بإنشاء مصنع للسلاح النووي ومن خلال علاقات خاصة لتنظيم ابي نضال في باكستان تم استدعاء عالم نووي باكستاني لمحاورته بامكانية انشاء هذا المصنع في بغداد وكانت باكستان في حينها قد عملت على بناء مصنعها النووي الا ان الامر لم يستمر بدخول جهات متعددة ومحاولة جهات اخرى جمع معلومات عن المفاعل النووي الباكستاني وتم القاء القبض علي بعضهم في باكستان الا ان ملفا سريا قد قدم للعراقيين حول تصنيع القنبلة النووية.وتحولت افكار ابو نضال الي العمل العسكري اكثر واكثر لاثبات وجوده بعد ان بدأ العراقيون بمحاصرته واخذ يهرب السلاح الي عواصم العالم مستخدما بغداد كمحطة انطلاق وقام باغتيال كل من نعيم خضر وسعيد حمامي وعز الدين القلق وعلي ياسين.محاولة اغتيال لأبي نضال في منطقة البتاوين والكرادة وفي الفترة نفسها قرر صلاح خلف التخلص من ابو نضال وقام بمحاولة لاغتياله الا ان المحاولة فشلت وقام ابو نضال بالقاء القبض على القائمين بها حيث خطط لتفجير مقر ابو نضال بواسطة صهريج مليء بالمتفجرات في مكتبه الكائن في منطقة البتاويين وفي الوقت ذاته حاول شخص بمتابعة ابو نضال في مكتبه الكائن في منطقة الكرادة الا ان ابو نضال استطاع ان يكشف شخصيته وقام باطلاق النار عليه شخصيا. وعلي اثر هذه المحاولة قام برزان التكريتي الذي كان يشغل مدير المخابرات العراقية انذاك بارسال سيارة مصفحة لابو نضال الا ان الاخير رفض تسلم السيارة. وخرج ابو نضال من العراق وصار يقود التنظيم من بولونيا وكان يتردد على العراق بين الفينة والأخري وأخذ ابو نضال ينشئ موارده الاقتصادية الخاصة من خلال انشاء مؤسسات تجارية ومصانع وتجارة سلاح وغير ذلك وكان له علاقة متميزة مع الرئيس البولوني يارزولسكي في الفترة التي كانت فيها بولونيا مثقلة بالاضطرابات والمشاكل السياسية التي نشأت منذ حركة التضامن بقيادة ليخ فاليسيا وهنا عرض ابو نضال علي القيادة البولونية اغتيال فاليسا الا ان السلطات البولونية رفضت هذا العرض. وهنا شعر العراقيون ان لامناص من العلاقة المتكافئة بينها وبين ابي نضال وحاول العراقيون ومن خلال طارق عزيز ان يبدأ الحوار مع ابي نضال وتشكيل قيادة مشتركة من جبهة التحرير العربية وابو نضال عقد لقاء موسعا بحضور طارق عزيز لهذا الغرض لكن النيات لم تكن صادقة بين الطرفين ولم يستمر هذا الامر طويلا اذ سرعان عادت الخلافات مرة اخرى وكان في حينه يعد العدة لحربه مع ايران بعد ان استطاع الخميني من الاستيلاء على الساحة وإزاحة الشاه من ايران وكان العراقيون في موقف لا يحسد عليه حيث كان العراق يعاني من عزلة سياسية واوضاع داخلية ممزقة بعد ان فشلت المحادثات ما بين السوريين والعراقيين وعلى اثرها قامت بغداد باعدام نصف قيادته بتهمة العمالة لسوريا.
ماذا دار بينه وبين صدام حسين؟
وفي لقاء خاص بين ابي نضال والرئيس العراقي تحدث صدام عن مشاكل المنطقة وبروز الثورة الاسلامية في ايران وتحدث طويلا عن اهمية منطقة الخليج العربي وقال صدام حسين لأبي نضال ان روسيا طلبت منه رسميا ان يمنحها قاعدة في الخليج فرد عليه ابو نضال بأن يوافق ما دام انه غير قادر على حماية المنطقة وبعد ان استرسل صدام في هذا الموضوع قال له ابو نضال (اياك والحرب مع ايران) فانتفض صدام من مكانه وتساءل على فوره لماذا فقال له ابو نضال بانهم أي الايرانيين سيرسلون لك موجات من البشر لا تقدر على صدها. وقعت حرب الخليج الاولي وكان ابو نضال في بولونيا وأصدر المكتب الاعلامي لحركته في بغداد بيانا يدين العراقيين في حربهم الا ان ابا نضال استاء من هذا البيان متذكرا ما قاله لصدام حسين وعاد ابو نضال الي بغداد واصدر بيانا مختلفاً تماماً عن البيان الاول محذرا من هذه الحرب وكان للعراقيين موقفهم من هذا البيان. هنا شعر العراقيون بأنهم في حاجة الي من يمدهم بالمعلومات والسلاح وغير ذلك وبدأت العلاقات العراقية الأمريكية تأخذ منحى آخر وقدم الأمريكان بعض المعلومات للعراقيين عن طبيعة القوات الايرانية.وكان بعضها غير دقيق وقدم مريكي التقى طه ياسين رمضان وعرض الوفد الأمريكي شروطه لمساعدة العراقيين في حربهم هذه للعراق وكان احد شروط الوفد الأمريكي انهاء وجود ابي نضال في العراق وعرض العراقيون هذا الامر على ابي نضال متذرعين ان هناك ضغوطات دولية علي وجوده في بغداد. لم يكن هذا رأي أغلب القيادة العراقية فكان هناك من يقول انه لا بد من ابقــاء ابي نضال في العراق والاستفادة منه علي اكثر من صعيد ويمكن خداع الأمريكان لانهم قد اخرجوا ابا نضال وان يطلب من الاخير ان يستبدل مكاتبه وابقاء مكاتب سرية غير معلنه وتخفيف الوجود والمظاهر العلنية وعدم اصدار بيانات من داخل العراق الا ان طارق عزيز استطاع ان يقنع صدام حسين بعدم جدوي ذلك.
أبو نضال: طارق عزيز ماسوني
وهنا يتهم ابو نضال طارق عزيز بان له علاقة بالحركة الماسونية وهو الذي فتح ابواب العراق أمام الفاتيكان وفرنسا. كانت الازمة قد تفاقمت بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية والعلاقات اخذت تشتد حدتها فقام السوريون بالاتصال بأبي نضال ومن الواضح ان السوريين كانوا على اطلاع على ما يدور بين ابي نضال والعراقيين وفتحت أبواب دمشق امام ابي نضال. أخذ ابو نضال يعد العدة للخروج من العراق او مساومة العراقيين علي هذه العلاقة المستجدة وهنا شعر العراقيون ان لا بد من ابقاء شعرة معاوية مع ابي نضال وطلب الرئيس العراقي من ابي نضال اصدار بيان تأييد للموقف العراقي في حربه مع ايران وارسال عناصر من التنظيم للمشاركة في هذه الحرب الا ان ابا نضال وضع شروطاً للموافقة علي هذا الطلب ومنها اعادة الدعم المادي للتنظيم وتخفيف الاجراءات التي وضعتها السلطات العراقية ضد ابي نضال الا ان هذا اللقاء باء بالفشل..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة