الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة الرابعة : ابو نضال من بغداد انطلق وفيها قتل

الحلقة الرابعة : ابو نضال من بغداد انطلق وفيها قتل

ليث عبد الهادي كاظم

وكانَ التشدد السياسي والتطرف في الجو في ظل النظام البعثي الذي يتزعمه الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين. وكان من المحتم ان تصيب ممثل فتح الرئيسي في بغداد مسحة من نفوذ العراق الكبير في القضايا العربية ازدهر ابو نضال بادئ الأمر في ظل النظام البعثي في العراق، وكان البعث استولى على السلطة في بغداد في شباط فبراير 1963 ، عندما ابرز نفسه، بدعم سري صامت من اميركا، بالمجازر الجماعية لأعضاء الحزب الشيوعي العراقي. وكما توحي ماريون وبيتر سلاغيت في كتابهما: “العراق عام 1958 ” ربما كانت وكالة المخابرات المركزية الاميركية هي التي زوّدت البعثيين بقوائم اسماء اعدائهم الشيوعيين. فهما يذكران في كتابهما: “ان الأكيد هو ان بعض قادة البعث كانوا على اتصال بشبكات المخابرات الاميركية”. وعندما انتهى البعثيون من تصفية اعدائهم بدأوا يتشاجرون فيما بينهم، مما مكّن مجموعة من ضباط الجيش القوميين من الاطاحة بهم بدورهم في تشرين الثاني نوفمبر 1963. وعندئذ عاد الحزب الى الغوص تحت الأرض حيث بقي خمسة اعوام، من 1963 الى 1968 . وفي هذه الاثناء تمّ تطهيره واعادة بنائه على يد شاب لا رحمة عنده ولا هوادة يدعى صدّام حسين. وفي تموز يوليو 1968 ، تسلّق حزب البعث عائداً الى السلطة في انقلاب دبّره احد اعضائه العسكريين، اللواء احمد حسن البكر، وهو ضابط معروف كان شارك في الاطاحة بالنظام عام 1958 .وكان للبكر دعم بين صفوف هيئة الضباط، غير ان الدعم الأساسي الحقيقي جاء من جناح صدّام المدني في البعث.. وطوال اكثر من عقد، من 1968 الى 1979 حكم العراق معا كل من البكر وصدّام حسين، اي الجندي ومسيّر الجهاز الحزبي، فقمعا فيه كل معارضة، وشحنا الجيش بالموالين لهما، وسيطرا عليه بالمفوضين السياسيين، وفرضا حكم البعث في كل زاوية من البلاد بواسطة جهاز امن قاس يرى كل شيء، وهو صنيعة صدام ومن عمل يديه. كان صدام منذ البداية هو “الرجل القوي في النظام”، وقد حمل لقب نائب رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة، متمتعا بسلطات على كل شيء، وعلى كل شخص . وعندما كان ابو نضال يعيش في العراق منذ عام 1970 فصاعداً، رأى عن كثب تنامي القوة البعثية والدولة العراقية نفسها، تموّلها عائدات النفط المتصاعدة منذ تأميم شركة نفط العراق في عام 1972 وارتفاع اسعار النفط .في العام التالي. وكان الدعم الذي لقيه ابو نضال نابعا في الأساس من البكر وليس من صدام حسين. وكان مقربا لدى وزير خارجية العراق طارق عزيز، ولدى سعدون شاكر ، الذي كان يومها مديراً عاما للمخابرات، ولدى نائبه برزان التكريتي، الأخ الأصغر غير الشقيق لصدام. غير ان صدام حسين كان يميل الى الاستخفاف بأبو نضال. ولما كان ابو نضال سيئ الخلق سريع الغضب فانه لم ينس اهانات صدام. ولم يكن الرجلان على علاقة طيبة ولا سهلة . وكان النصف الثاني من السبعينات وحتى اواخرها هو اوج مرحلة ابو نضال العراقية . وفي ذلك الحين كان العراق هو مصدر الاثارة والشقاق في العالم العربي. فقد راح يزرع خلايا بعثية في طول المنطقة وعرضها للتحريض على الثورة ويتقرب الى موسكو بشكل حميم، ويعلن اكثر الآراء تطرفا في الاشتراكية العربية، والوحدة العربية، والنزاع العربي الاسرائيلي، في محاولة لانتزاع زعامة التشدد الراديكالي العربي من منافسته – سورية. وبعد حرب تشرين الاول اكتوبر 1973 انتقدت بغداد محاولة ياسر عرفات للميل الى الاعتدال واعتبرتها خيانة،  استنكرت اتفاقية سورية لفصل القوات مع اسرائيل في الجولان عام 1974 ، وكذلك تدخل الاسد في لبنان بعد ذلك بعامين، وشجعت ابو نضال على اطلاق ارهابييه ضد سورية ومنظمة التحرير .ولكن عام 1978 – 1979 ، في اعقاب تغير مناخ العراق السياسي، فقد ابو نضال فجأة حظوته. كانت المناسبة المباشرة لذلك توقيع اتفاقات كامب دايفيد في ايلول سبتمبر 1978 ، التي لعب فيها الرئيس جيمي كارتر دور العراب بين بيغن والسادات. ولم تكن اتيحت لصدام قبل ذلك فرصة بسط نفوذ يتجاوز حدوده، فاستغل فرصة “خيانة” السادات ليثبت وجوده في ميدان السياسة العربية، فعقد مؤتمر قمة في بغداد في تشرين الثاني نوفمبر من ذلك العام وهو مؤتمر اتخذ قرارات المقاطعة ضد مصر . غير ان العقبة الكبيرة امام طموحات صدام حسين كانت رعايته للإرهاب. وكانت واشنطن حثته على التخلي عن دعم الارهاب. وهكذا اصبح جهاز ابو نضال القاتل مصدر حرج لصدام في دوره الجديد كرجل دولة وسياسي عربي ودولي. وحتى على الساحة الفلسطينية صار من مصلحة صدام تماما ان يتعامل مع ياسر عرفات وخطه الوسطي السائد . وبينما كانت قمة بغداد منعقدة استدعى صدام عرفات وأبو اياد الى مكتبه ليوضح لهما خطوط سياسته الجديدة. وقد روى لي ابو اياد ( والكلام لباتريك سيل ) ما حدث: “تساءل صدام: ما هي خلافاتنا؟ الا تزالون منزعجين لأننا لم نتدخل لمساعدتكم في الاردن عام 1970 ؟ اشارة الى عدم تحرك القوات العراقية بينما كان الفدائيون يواجهون جيش الملك حسين لقد انتقدنا انفسنا منذ زمن على تلك الواقعة المحزنة المشؤومة، ونحن نعتبرها تاريخا مضى. هل يغضبكم دعمنا لأبي نضال؟ استطيع ان اخبركم حالاً اننا لن نوافق على اية عمليات اخرى تشن ضدكم من بغداد. ولن نكون مسؤولين عن اعماله بعد الآن. وقد قلنا له ذلك. “ولكن لا تتوقعوا مني ان اسلمه اليكم”!. ومنذ ان أزاح صدام البكر المريض وتسلّم الرئاسة عام 1979 ، ادرك ابو نضال ان أيام منظمته في بغداد باتت معدودة. وبما انه لم يرغب ان يكون رهين اي نظام واحد، فقد بدأ يتقرب من سورية وليبيا سراً باتصالات تمهيدية. لكن، في الوقت الذي كان يتوقع الطرد من بغداد، انقذه موقتا اندلاع الحرب الايرانية – العراقية في ايلول سبتمبر 1980 . وكانت الحرب تعني ان العراق يحتاج دعما اكثر من اي وقت مضى، ولا سيما من الغرب ومن الدول العربية. وبناء على ذلك كان ينبغي عليه ان يتخلص من ابي نضال، الا انه كان رجلاً ثمينا للعمل في خدمة بلد يخوض حربا.ً كان العراقيون بحاجة الى اسلحة ومعلومات سرية. وكانوا يحتاجون الى ذراع خارجية. وكان ابو نضال مستعداً لأن يجعل من نفسه عنصراً مفيداً لمجهودهم الحربي. فعرض عليهم اغتيال بعض أعضاء المعارضة العراقية في الخارج. وقدّم نفسه كقناة سرية للاتصال مع سورية. اما في الداخل فقد راح يراقب الاعداء المخربين المحتملين، ثم ادخل نفسه كوسيط في تجارة الاسلحة التي امل ان يحقق منها ارباحا شخصية . وكان احد مساعدي ابي نضال رجل يدعى عبدالرحمن عيسى. وقد ابلغ عيسى منظمة التحرير الفلسطينية التي هرب اليها في تشرين الأول 1989 ( أن ابا نضال في ذلك الحين وعد العراقيين بأنه قادر على الحصول  على دبابات تي 72 من بولونيا حيث كانت له اتصالات جيدة وأعتبر صدام ذلك خدمة هائلة , وهي خدمة أخرت طردنا من بغداد في الواقع عامين أو ثلاثة ! وقدم العراقيون دفعة أولى من 11 مليون دولار اودعها ابونضال في حساب سويسري خاص. لكن العراقيين غيّروا رأيهم بعد ذلك، فلم يعودوا يريدون دبابات، بل مدافع).

?>