الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / هيت …. مدينة ورجال

هيت …. مدينة ورجال

قحطان محمد صالح الهيتي 

مِن أجل حماية مكاسب الثورة أعلنَ الزعيم عبد الكريم قاسم قرار تشكيل قوات المقاومة الشعبية رسمياً في الأول من آب 1958 بموجب قانون المقاومة الشعبية رقم 3 لعام 1958 وترتبط هذه القوات بوازرة الدفاع، أي: أنها ترتبط بالزعيم نفسه كونه كان رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع. وحدد القانون واجبات هذه القوات بتدريب المواطنين عسكرياً، للاستفادة منهم في معاونة القطعات العسكرية النظامية للدفاع المدني وفي حفظ الأمن الداخلي والدفاع عن البلاد. امتازت قوات المقاومة الشعبية بشعبيتها، ودعمها لحكومة 14 تموز، وكانت ذات تنظيم جيد توزع على طول خارطة العراق من شماله إلى جنوبه، وضمَّت في صفوفها فئات مختلفة من الشعب حتى بلغ عدد المنتمين إليها في 21 آب من السنة نفسها (11000) شاب وفتاة . وكان الشيوعيون واليساريون والديمقراطيون المستقلون قوامها الأساس. لقد انضم الكثير من أبناء هيت إلى قوات المقاومة الشعبية التي كلف بالإشراف عليها وتدريب عناصرها الملازم الاحتياط ظافر، وهو من أهل الكاظمية، وكان محل احترام أبناء المدينة، بالرغم من قيام بعض المحسوبين على القوميين المستقلين المعجبين بجمال عبد الناصر والناصرية بالاعتداء عليه، وقد شمل الاعتداء أحد عناصر المقاومة الشعبية في هيت وهو شريف خلف مصيلح، وهو عضو اللجنة العمالية في هيت، وكان يجلب البريد الحزبي من بغداد إلى هيت وبالعكس. وقد كسر أحد أسنانه. ولكن لم يقيموا شكوى ضدهم كجزء من تقاليد المدينة بالتصالح الأخوي والعائلي.

ما بعد حلّ المقاومة الشعبية:

في الثاني من كانون الثاني 1960 أصدر الزعيم عبد الكريم قاسم قانون الجمعيات الخاص بتأسيس الجمعيات المهنية والأحزاب السياسية، وفي السادس من نفس الشهر وُضِع القانون قيد التنفيذ فبادرت الأحزاب السياسية على تقديم طلباتها للحصول على إجازة تأسيس حسب الضوابط والتعليمات التي نص عليها القانون. وفي 9 كانون الثاني 1960قدَّم الحزب الشيوعي العراقي باسم زكي خيري طلبا لتأسيس الحزب الشيوعي، وقد نشرت جريدة الزمان في 10 كانون الثاني 1960 قائمة بأسماء المؤسسين والمؤيدين لطلب التأسيس، وهي المرة الأولى التي يعلن فيها الحزب قائمة بـ (97) اسماً من أعضائه. وبهذا النشر عُرف الكثير من المنتمين إلى الحزب، ومنهم حافظ تركي الهيتي الذي كان تسلسله (35) في قائمة المؤيدين، وبسبب ذلك تضاعفت الجهود المتصدية له والمتابعة لتحركاته.

 

المرحلة الثالثة: من 8 شباط 1963إلى 17تموز 1968:

انتهى نظام حكم عبد الكريم قاسم في 8 شباط 1963 وجرى إعدامه في انقلاب قاده عبد السلام عارف وأصبح أحمد حسن البكر، من حزب البعث، رئيساً للوزراء. وبذلك وصل البعث إلى السلطة للمرة الأولى. وكان الانقلاب حصيلة دعم وتنظيم كبير من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أي)، وكان العقل المخطط له هو ويليام ليكلاند، الذي كان بمنصب ملحق في السفارة الامريكية في بغداد. وكشفت وثائق وزارة الخارجية البريطانية عن التوجه الغربي لدعم انقلاب بعث العراق. ففي برقية سرية مرسلة من السفارة البريطانية في بغداد إلى لندن مؤرخة في 28/1/1963، أي: قبل عشرة أيام من الانقلاب، أن روى ملبورن القائم بأعمال الولايات المتحدة قال للسفير البريطاني: “إن وزارة الخارجية الأمريكية تفكر أنه حان الوقت لترد على تهجم قاسم المستمر.. وأن الوقت قد حان للبدء في بناء رصيد مع معارضي قاسم، من أجل اليوم الذي سيحدث فيه تغيير في الحكومة في بغداد”. وتبين ملفات الخارجية البريطانية ان السفير روجر ألن وموظفاً آخر في السفارة كانا يتابعان تقارير الاذاعة العراقية في اليومين الأولين من الانقلاب: 8 و9 شباط. فقد ذكرا ان نداءات النظام الجديد كانت تدعو الناس إلى المساعدة على إبادة جميع اولئك الذين ينتمون إلى الشيوعيين والقضاء عليهم نهائياً. وفي18مايس1963 صدر قانون الحرس القومي رقم (35) الذي منح الحرس القومي صلاحيات استثنائية في قتل أي إنسان لمجرد الشك فيه، وخاصة إذا كان شيوعياً أو يشك في كونه شيوعياً، وعّد القانون نافذا ابتداءً من 8 شباط 1963. تشكل الحرس القومي في هيت شأنه شأن مدن العراق الأخرى، واتخذ من الطابق الثاني من نادي الموظفين في هيت المجاور لمبنى البلدية مركزا له. وقد تم اعتقال عدد من الشيوعين من ابناء المدينة غير أنهم لم يتعرضوا إلى أي نوع من أنواع الأذى الجسدي أو المعنوي بشهادتهم، وحين طالبت منظمات حزبية أخرى بنقل قسم منهم إلى مدن أخرى للتحقيق معهم رفضت منظمة الحزب في هيت هذه الطلبات خشية عليهم، وهذا بشهادة عدد من الشيوعين ممن اعتقلوا آنذاك منهم وائل مخلف وأحمد برتو وثابت شعبان الذي نقله أخوه صالح شعبان- القيادي السابق في حزب البعث- الذي اعتقل في مدينة الحلة إلى هيت لحمايته.

بعد 18 تشرين الثاني1963:

عن هذه المدة 1968 يذكر عبد الحميد برتو بأن الحزب الشيوعي في هيت نشط من أجل إعادة التنظيم؛ فتشكلت في هيت (لجنة مدينة)، ضمّت كلاً من: أحمد برتو الكحاح مسؤولاً لها، وجميل خلف الندا مسؤولاً للجنة العمالية، وسبتي جمعة مسؤولاً للمثقفين، وفخري ياسين بكر مسؤولاً للجنة الطلابية، وعبد الهادي السيد نوري عضواً فيها، ومن أبرز المساهمين بإعادة التنظيم إسماعيل الصعب، وعدنان محمد صالح، وسهيل نجم، وأحمد غربي خضر، وحكمت عبد الوهاب، وآخرين.

المرحلة الرابعة: من 17تموز 1968 إلى 9 نيسان 2003:

في خلال مدة حكم الرئيس عبد الرحمن عارف (16نيسان1966 -17 تموز1968) الذي شهدت الحياة السياسية انفراجاً نسبياً، فقد فسح المجال لمعارضيه بنوع من الديمقراطية اذ تجاوب مع بعض مطاليب القوى السياسية والإسلاميين. كما أصدر البيان رقم (29) لعام (1966) الخاص بمنح الاكراد حقوقهم القومية. في خلال هذه المدة وحتى حرب حزيران 1967 كان الحزب الشيوعي العراقي يعارض النظام الحاكم، وشكَّلَ بعض القياديين فيه في أيام حكومة عبد الرحمن البزاز منظمة شيوعية مستقلة اتخذت لها اسم (الحزب الشيوعي العراقي– القيادة المركزية)، وكان على رأس هذه المنظمة مكتب سياسي مؤلف من خمسة أشخاص يقوده عزيز الحاج، وقد تبنى هؤلاء خطاً معادياً للنظام القائم آنذاك ودعوا إلى تسليح الجماهير والعنف الثوري والنضال الشعبي المسلح في المدن والريف وقد عرفت هذه القيادة بـ(جماعة الكفاح المسلح) وقد تبنى بعض الشيوعيين في هيت أفكار ومنهج هذه الجماعة، لكنهم لم يكونوا بالمستوى المؤثر في أفكار شيوعيي المدينة وأصدقائهم. وبعد كل ما عاشه الحزب وأعضاؤه، وما عانته منظماته من قمع وقتل وسجن وتشريد، وترهيب، وتعرض وحدته الفكرية والتنظيمية إلى الانشقاق والتفتت، تمكن في خلال مدة وجيزة من الوقوف على قدميه واعادة الكثير من تنظيماته ونشاطه الجماهيري على مستوى العراق، فكانت الفرصة سانحة لبروز بعض الوجوه الحزبية من الطلبة والشباب والكادحين والموظفين اخذت على عاتقها توحيد صفوف الحزب في المدينة والتنسيق مع قيادة الحزب الشرعية المتمثلة باللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. في 17-30 تموز 1968 تمكن حزب البعث من العودة إلى السلطة والاستيلاء على مقدرات العراق، وبعد أن تمكنوا من تأمين مواقعهم وسيطرتهم على مفاصل الدولة، بدأوا بفصل جديد باستهداف الشيوعيين وحزبهم ومنظماته التي تمت إعادتها في أغلب محافظات العراق.

 

 الشيوعيون في هيت في مدة قيام الجبهة (1973-1978):

عندما أعلن عن قيام الجبهة، لم يكن في هيت تنظيم للحزب الشيوعي، وكان التنظيم موجودا في (جُبّه). ومن أبرز أعضاء الحزب فيها ثابت عزيز محمد مرهج العبيدي (أبو تليد)، وقحطان محمود فهد العبيدي (أبو نصير)، وحاتم عبد الله أحمد مرهج العبيدي (أبو صبيح)، وبشير حسن شاهين العبيدي، وشاكر عبد الله دهيلس العبيدي. وهذا لا يعني أنه لم يكن من أبناء المدينة شيوعي مُنظَّم في المدة التي سبقت الإعلان عن قيام الجبهة، لإن عدداً من أبناء المدينة من العاملين خارجها، ومن الطلبة الذين يدرسون في الكليات والمعاهد انتموا إلى الحزب، وكانوا في مدة تواجدهم في هيت يطرحون أفكاره ومبادئه في جلساتهم الخاصة، بل أن بعضهم كان يوزع منشورات الحزب سراً على أصدقائه..

?>