ليث عبد الهادي كاظم
منذُ ما يزيد عن ثلاثة عقود. بالرغم من مرور هذه العلاقة بين مد وجزر لكن ابا نضال تلقى ترحيبا في العراق ليكون له محطة انطلاق الي أنحاء العالم. بعد حرب ايلول عام 1970 كان ابو نضال من اطلق عليه (جهاز الرصد) وكان ابو نضال احد تلاميذ ابي اياد في هذا الجهاز وتم تشكيل عدد من الخلايا والمخبريين ليبدأ عمل هذا الجهاز وفي اكثر من ساحة. لكن هذا الجهاز لم يكتب له الاستمرار بسبب الاحداث التي وقعت في الاردن وغادر ابو نضال كممثل لحركة فتح في بغداد. وعندما استلم ابو نضال زمام الامور في بغداد قام باعتقال جميع قيادة حركة فتح الموجودة وكان منهم عيسي ابو الذنيين وابو جهاد ماضي كما قام باقتحام منزل ممثل حركة فتح السابق ابو جعفر صادق البحر واستطاع الاخير بعد ذلك المغادرة الى سوريا وبذلك تمكن ابو نضال من السيطرة على الساحة العراقية بعد ان استطاع ابعاد الخصوم المحتملين له. من جهة اخرى، تم التخطيط لاغتيال الملك حسين في عمان بقيادة محمد داوود عودة الا ان العملية لم يكتب لها النجاح وتم القاء القبض على جميع عناصر المجموعة بمن فيهم ابو داوود وكردة فعل لصديقه القديم قام ابو نضال باختطاف الملحق العسكري الاردني في بغداد حيث قام كل من محمود معين وموسي جرادات باختطاف الملحق العسكري ووضعه في منزل معين للضغط علي السلطات الاردنية لاطلاق سراح ابو داوود ومن معه. ونتيجة لعدة عوامل تم اطلاق سراح ابو داوود والافراج عن الملحق العسكري الاردني في بغداد وقد استحسن العراقيون هذا العمل من ابي نضال لموقف حزب البعث من الاحداث الدائرة في الاردن. في تلك الفترة تحرك وفد من حركة فتح الي الصين وكان ابو نضال احد أعضاء هذا الوفد وقد تأثر ابو نضال كثيرا بالتجربة الصينية وكأن التاريخ يعيد نفسه بخروج الصين عن الركب الشيوعي وخروج ابي نضال عن ركب حركة فتح ونتيجة هذه الزيارة منحت الحكومة الصينية الشعب الفلسطيني باخرة محملة باحدث انواع الأسلحة الموجودة في تلك الفترة ومنها أسلحة ثقيلة ووصلت السفينة الى ميناء البصرة وضعت السلطات العراقية اليد عليها. كما منح العراقيون ابا نضال قاعدة عسكرية في منطقة هيت تبعد 75 كيلومتراً عن بغداد خلافا للقاعدة التي كانت في معسكر الرشيد والتي كان يطلق
عليها معسكر منعم.
التوافد على العراق
وبدات القوات العسكرية التي خرجت من الاردن وتحديدا الجرحي منهم بالتوافد على العراق لتكون محطتهم المعسكر الجديد الذي اطلق عليه قاعدة الشهيد ابو علي اياد وقائد هذه القاعدة ضابط متمرس من الجيش الاردني انضم إلى صفوف فتح يدعى احمد جلاد ابو زكي وتحولت هذه القاعدة إلى معسكر اعداد وتدريب متميزين لما تمتلكه هذه القاعدة من مواصفات طبوغرافية متميزة حيث انها تقع على نهر الفرات وتحيط بها مرتفعات وكثبان تصلح لحرب العصابات. وفي عام 1973 عندما نشبت حرب تشرين افرجت السلطات العراقية عن باخرة الاسلحة وسلمت لابي نضال الذي كان قد اعد لها مستودعات في قاعدته تحت الارض وبدأ بو نضال بارسال بعض الأسلحة الي سوريا ومنها الى لبنان مع بعض المقاتلين ليشاركوا في واقعة الحرب. كما اعد ابو نضال مجموعات خاصة لارسالها الى الاردن حيث كانت هناك مفاوضات جارية بين السلطات العراقية والاردنية لفتح الجبهة الشرقية لفلسطين الا ان الحرب لم تدم طويلا. كان لـ(أبو نضال) وجهات نظر مختلفة حول ما دار في حرب تشرين وقد عبر عن رايه هذا لصلاح خلف مباشرة الذي استاء من هذه الاراء ولمس ان هناك نعرة انشقاق بما يطرحه ابو نضال وحجب ابو نضال جميع ما تصدره حركة فتح من سجلات وكتيبات عن اعضاء التنظيم في بغداد واخذ يبني اعضاءه بمنهجية خاصة وبافكار يأخذها الطابع الصيني في التجربة الشيوعية وبدا ابو نضال باقامة علاقات متعددة مع حركات تحرر العربية والاجنبية وبدا يستقل بآرائه وافكاره في الوقت الذي كان العراقيون يبحثون عن طرف فلسطيني يستميلونه اليهم بعد فشلهم في تجربة عصام السرطاوي الذي انشا حركة الهيئة المناضلة في بغداد ووجد العراقيون مخرجا لهم في الدخول الى الساحة الفلسطينية من خلال ابي نضال اما في بيروت فقد مد ابو نضال جذوره مستخدما علاقاته الشخصية مع بعض قيادات حركة فتح ومنهم ناجي علوش وسميح ابو كوبك ومنير شفيق واحمد عبد الغفور وكان هؤلاء جميعا يتبوؤون منصب اعضاء مجلس ثوري في حركة فتح ولذلك استطاع ابو نضال ان يمتلك الامكانيات العسكرية والسياسية والاقتصادية من خلال منح العراقيين مبلغ خمسة مليون دولار شهريا. وبدأ أبو نضال يعد تنظيمه في بغداد مستغلا بذلك الطلبة الوافدين للدراسة في بغداد واخذ يرسل بنواة الى كل ساحة من هؤلاء الطلبة وقد ركز في حينها على كل من باكستان وتركيا ويوغسلافيا وبعض الدول الأخرى التي يكثر فيها الطلبة الفلسطينيون من أجل انشاء تنظيم في اكثر من ساحة وهكذا بدا ابو نضال بتشكيل مجموعات لها افكارها الخاصة ومفاهيمها التي كان يدعي انها الخط الصحيح في حركة فتح. وفي عام 1974 عقد لقاءً في بغداد ضم العديد من المذكورين الثلاث من قيادات حركة فتح لاعلان انشقاق حركة فتح وتشكيل حركة فتح الخط الصحيح وقد تبلور الصراع بشكل اوسع في صفوف حركة فتح وطرح بعض منهم ان يكون النضال من داخل الحركة وبعض آخر يقول من خارج الحركة لعدم توفر الديمقراطية في الحوار وكان هذا راي ابو نضال. وقتل احمد عبد الغفور في بيروت واتهم ابو نضال ياسر عرفات بقتله وتحول الصراع الى صراع مسلح وصدر على اثره قرار محاكمة ابي نضال واعدامه وكان رد ابي نضال عنيفا حيث واجه قيادات وممثلي حركة فتح في عدة ساحات وبدأ ابو نضال باصدار مجلته الخاصة التي اطلق عليها في البداية اسم المقاومة وبعدها حول اسمها الى فلسطين الثورة كالتي يصدرها عرفات في بيروت. اما في الجانب العراقي فقد تميزت علاقة ابي نضال مع الرئيس العراقي الراحل احمد حسن البكر وكانت هناك علاقة متميزة ما بين الطرفين وعرض ابو نضال على السلطات العراقية بانشاء مصنع أسلحة بخبرة فلسطينية وتمويل عراقي وبدا المصنع عمله في معسكر الرشيد وهو اكبر موقع عسكري عراقي في ضواحي بغداد. وفي عام 1976 بدأت الصراعات في لبنان تزداد حدة وكانت فرصة لابي نضال لارسال اعداد كبيرة من الاسلحة والمقاتلين الذين شاركوا في معارك الفنادق والاسواق التجارية في بيروت تحت قيادة ابي داوود وفي الوقت ذاته سعى ابو نضال الى استماله كل من ابي خالد العملة وابي موسي وابي صالح وكان ابو نضال يسعى الى ايجاد البديل للساحة العراقية وكانت الساحة اللبنانية هي خبر محطة لانطلاق ابي نضال. في الجانب السياسي بدا ابو نضال يتهم القيادة الفلسطينية بالخروج عن مبادئ واهداف حركة فتح والسعي الى تسوية مع الاسرائيليين. في عام 1977 وقع اتفاق كامب ديفيد كانت الحكومة العراقية في هذه الفترة تعاني من صراعات متعددة لمحاولة صدام حسين استلام زمام الامور في بغداد وتنحية احمد حسن البكر عن السلطة وكان لصدام حسين وجهات نظر مختلفة حول ابي نضال فكان يريده اكثر مطواعا واقل استقلالية لما يخدم مصلحة العراقيين وابقاء ابو نضال كورقة رابحة في الملف الفلسطيني.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة