الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة ١: ابو نضال من بغداد انطلق وفيها قتل

الحلقة ١: ابو نضال من بغداد انطلق وفيها قتل

ليث عبد الهادي كاظم

 فِي الثاني عشر من حزيران سنة 1982 اصدرت المحكمة الجنائية في لندن الحكم على ثلاثة عرب بالسجن من ( 30 – 35  عاما ) بعد أدانتهم من قبل المحلفين في تلك المحكمة بمحاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن شلومو ارجوف الذي نجى منها ولكنه أصيب بالشلل بعدها ,  الثلاثة هم حسين سعيد 23 عاما الذي هو من أطلق الرصاص  ومروان البنا 20 عاما  الذي كان سائق السيارة وكلاهما طلاب من الأردن وتاجر عراقي أسمه نواف روزان وعمره 33 عاما والذي وصفته المحكمة بأنه زعيم المجموعة وعلى حد قول القاضي أنه أكبر سنا ويستحق زيادة العقوبة. المدعي العام قال أن الرجال الثلاثة كانوا اعضاء في منظمة فلسطينية مقرها في بغداد. كان قد تم أرسالهم الى لندن لمهاجمة أهداف إسرائيلية وعملية اغتيال السفير الاسرئيلي في لندن كانت واحدة من عدة عمليات شهدتها أوربا على دبلوماسيين إسرائيليين سنة 1982 وهو العذر الذي استخدمته إسرائيل لتبرير غزوها لبنان بعد ثلاثة ايام  وطالبت فيه بمغادرة جميع القوات الفلسطينية المتمركزة هناك. المنظمة  الفلسطينية التي ذكرت في المحكمة كانت فتح المجلس الثوري والتابعة الى صبري البنا الملقب بأبو نضال أما قصة وصول الأخير الى بغداد وحصوله على الدعم الكامل من النظام العراقي فهي كالتالي: قبل صدامات ايلول سبتمبر 1970 ، وقعت خلافات عدة بين فتح وتنظيمات فلسطينية اخرى، بعضها مرتبط بسورية والبعض الآخر بالعراق. ولم يكن ابو نضال راضيا عن فوضى هذه الخلافات الفلسطينية فقد توقع في بداية 1970 حدوث المواجهة بين الفلسطينيين والملك حسين، ولذلك بدأ يلح على ابو اياد لارساله كممثل لفتح في بغداد. وحدث ان كانت فتح بحاجة ماسة الى شخص في تلك اللحظة بالذات لتوضيح قضيتها للحكومة العراقية التي كان لها 14 الف رجل مرابط في الاردن، كجزء من “الجبهة الشرقية” التي لم تعش طويلاً، والتي كانت تضم مصر وسورية ذات يوم. كان زعماء فتح قلقين لمعرفة ما اذا كان يمكنهم الاعتماد على تلك القوات العراقية كي تقف معهم في حال وقوع مجابهة مع الملك حسين. ولجسّ نبض العراق كان عرفات وابو اياد اجتمعا سراً في تموز يوليو 1970 مع اثنين من قادة النظام العراقي، هما عبد الخالق السامرائي عضو مجلس قيادة الثورة، والفريق صالح مهدي عماش وزير الداخلية، في معسكر عراقي قرب مدينة الزرقاء الاردنية. كانا تلقيا تأكيدات بأن القوات العراقية ستقاتل معهم. لكن فتح كانت بحاجة الى شخص في بغداد يستطيع ان يطالب العراقيين بالوفاء بتعهدهم، شخص قدير وقوي بحيث يتصل بالرئيس احمد حسن البكر شخصيا وبوزير دفاعه الفريق حردان التكريتي. وبدا ابو نضال الرجل المناسب لهذه المهمة . وفي اواخر تموز يوليو 1970 تسلم ابو نضال منصبه الجديد في بغداد، تاركا فوضى الاردن وراءه. ولكن ابو نضال فشل في مهمته . فعندما راحت دبابات الملك حسين تدكّ مواقع الفدائيين لم يحرّك العراقيون ساكنا. ًواستعرت المعارك بين الجيش الاردني والفدائيين عشرة ايام ولكن صيحات فتح اليائسة في طلب النجدة ذهبت ادراج الرياح فلم يسمعها احد في بغداد. وافلت عرفات من الاسر بصعوبة. اما ابو اياد، وزعيم بارز آخر من قادة فتح هو ابو اللطف فاروق القدومي فقد اعتقلهما الاردنيون. ولتحطيم معنوياتهما، جعلوهما يستمعان الى تسجيل لمكالمة هاتفية بين الملك حسين والفريق حردان التكريتي اكد فيها القائد العراقي ان القوات العراقية لن تتدخل، “وذلك بموجب اتفاقهما السابق”. لقد خان العراقيون الفدائيين وتخلوا عنهم. وكان زعماء فتح على موعد قريب مع صدمة اخرى. فبعد احداث ايلول سبتمبر مباشرة بدأ ابو نضال يهاجمهم من “صوت فلسطين” محطتهم التي تذيع من بغداد، وراح يتهمهم بالجبن في المعركة ويدينهم لأنهم وافقوا على وقف اطلاق النار مع الملك حسين. ولم يكن الرجل الذي اختصه ابو نضال بتهجمه بشكل خاص غير ابو اياد صديقه القديم، ومعلمه الذي اعطاه منصبه في بغداد . وأخبر ابو اياد الكاتب باتريك سيل ( كتاب بندقية للايجار )  في تونس انه، وهو يسترجع كل ذلك، توصل الى الاعتقاد بأن ثمة شيئا مهما حدث لأبو نضال عام 1969 او 1970 وجعله يأخذ هذا المنحى الجديد المشكوك بأمره. وراح يتساءل اذا كان تم تجنيد ابو نضال في الخرطوم من قبل المخابرات العراقية ام مخابرات اخرى . عام 1971 ، عندما استمر ابو نضال في هجماته الاذاعية، قرر عرفات وزميله ابو جهاد خليل الوزير طرده من فتح . ولكن ابو اياد نصح بالتريث والحذر. فعلى رغم انه كان الهدف الرئيسي لنقد ابو نضال الجارح، الا انه شعر بأن من الخطأ ان يخسروا رجلاً قديراً للعراقيين، قبل ان يحصلوا على توضيح لتغييره موقفه بهذا الشكل. وبالاضافة الى ذلك فمن المحتمل ان يفسر العراقيون هذا الطرد بأنه انتقاد لهم. وبعد الصدام المرير مع الاردن كان ابو اياد يرى ان تتجنب فتح الصدام مع العراق كذلك.

 

لقاء عاصف مع الرئيس العراقي أحمد حسن البكر

عام 1972 دعا العراق حركة فتح الى ارسال وفد الى بغداد لمناقشة علاقاتهما . فتكوّن وفد فتح من ابي اياد وابي مازن وابي اللطف. وكان على رأس جدول اعمال المحادثات تخلي العراق عن مساعدة الفلسطينيين في الاردن في ساعة محنتهم . وروى لي (الكلام لباتريك سيل )  ابو اياد في تونس عام 1990 ان ابا نضال كان في استقبالهم في المطار، لكن ابا اياد رفض ان يصافحه . وسرعان ما انغمس اعضاء الوفد في مناقشات عميقة مع قادة العراق، وخصوصا مع عبدالخالق السامرائي الذي كان وعدهم بتدخل القوات العراقية الى جانبهم، والذي كان مفهوما ان يشعر بالحرج لأن الوعد لم ينجز . وروى لي ابو اياد ما حدث: “اخذنا السامرائي لزيارة الرئيس البكر. وفي الطريق حاول ان يلما نتوقع فقال لنا محذراً: لن تتمكنوا من البقاء طويلاً. فالرئيس متعب. ولا تكلفوا انفسكم عناء احتضانه عند تحيتكم له. وكان اول ما صدمني عندما دخلنا مكتب البكر انه لم ينهض عن مقعده. وشعرت بأن السامرائي  قد تزايد حرجه “. وكان الاجتماع بارداً للغاية وعندما اقترب من نهايته قال ابو اياد: “سيدي الرئيس. يبدو انك مشغول. فنرجوك ان تسمح لنا ان نستأذن بالمغادرة. لكن قبل ان نذهب اسمح لي ان اقول اننا صدمنا لقراركم بعدم دعمنا في الاردن، ولا شك ان ذلك القرار قد اتخذ من دون علمكم”. فصرخ البكر بحدة: “لقد كان قراري! فقد اشرفت شخصيا على انسحاب القوات العراقية” عند ذلك شعر ابو اياد بأنه مضطر لسؤال الرئيس عن اسبابه فرد البكر: “انتم في المقاومة الفلسطينية لكم تسع ارواح كالقطط. فاذا قتلوكم فستنهضون ثانية. اما نحن فنظام! لقد كانت هناك مؤامرة عام 1970 لجرنا الى المعركة بهدف تدميرنا. ولو دمرونا لانتهينا “! وقال لي ابو اياد: “كان هذا كل شيء. لم يستغرق الاجتماع اكثر من عشر دقائق وان ابا نضال قام بالدفاع عن الموقف العراقي بنفس الاجتماع وامام البكر. وما ان اصبحنا خارج الغرفة حتى أخذت ابو نضال فانتحيت به جانبا،ً فلعنته وشتمته، وصرخت به: أهذا هو النظام الذي تدافع عنه؟ وفي ذلك المساء ذهبت الى بيته، وكاشفته بالموضوع كاملاً أمام زوجته. قلت له انه ربط نفسه الى عجلة العراقيين. وكنت سمعت بأن له علاقة خاصة مع سعدون شاكر الذي كان مدير المخابرات العراقية آنذاك. يقول عاطف أبو بكر ( رئيس الدائرة السياسية لمنظمة فتح المجلس الثوري في لقائه مع العربية  أن ابا مازن هو الذي تهجم على أبي نضال وشتمه  الأمر الذي جعل الاخير يقوم بمحاولة لاغتياله لاحقا بررها لاحقا بأن لديه اتصالات مع جهات إسرائيلية )  وانفجر أبو نضال غاضبا لهذا الاتهام فقال لي محتجا:ً “انا لست عميلاً لأحد”. ولكن شكوكي ظلت مُلحّة. والواقع انني بدأت اعتقد انه كان اتصل بالمخابرات العراقية عندما كان في السودان، وأن تشوقه المتلهف لنقله الى بغداد لم يكن من بنات افكاره وحده “. ظل أبو اياد، حتى بعد هذه الزيارة ينصح زملاءه في فتح ان من الافضل لهم ان يحاولوا احتواء ابي نضال بدلا ًمن طرده، وألا يغامروا بدفعه الى احضان العراقيين اكثر . وكان أبو اياد لا يزال مولعا به. ولكن كما قال لباتريك سيل – – كان قلقا مما كان يحدث له. كان فيه شيء يخيف. غير انه لم يُطلع زملاءه على مخاوفه هذه وكممثل لفتح في العراق، كان ابو نضال رسميا يعادل ممثلي فتح الآخرين في كل من سورية، ولبنان، ومصر، وليبيا التي هي المراكز العربية الاساسية لنشاطها. ولكن بعد طرد الفدائيين من الاردن، صار المنصب العراقي اهم من المناصب الاخرى الى حد ما. ففي بغداد، تمكن ابو نضال من استحصال وثائق سفر عراقية لالوف من المقاتلين المنفيين وعوائلهم. وكانت الاسلحة تخزن هناك، وتتدفق التبرعات من المواطنين العراقيين العاديين. يرتبط ابو نضال بعلاقة خاصة مع العراقيين ولدت منذ ان كان أبو نضال يعمل في العربية السعودية في بداية الخمسينيات وارتباطه بعلاقة ما بحزب البعث العربي الاشتراكي ( أنضم لحزب البعث سنة 1955 ) وكان له نشاطات متعددة مع هذا الحزب ولهذا نشأ تنظيمه وتلقي الدعم..

?>