الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: رحيل النواب

د. سعدي الابراهيم: رحيل النواب

يترك الشعراء في العادة اثرهم من خلال القصائد التي كتبوها ، وغالبا ما يكون لها تأثير عاطفي وجداني في نفوس القراء . لكن مظفر النواب قد تجاوز هذه الميزة ، فهو ليس شاعرا فقط ، بل قائد ثوري ورمز للمعارضة والرفض الدائم . ارتبط اسمه بمختلف الاحداث السياسية التي مر بها العراق في القرن الماضي ، عرف عنه الشجاعة في قول الكلمة وعدم الخوف من السلطة . و على العكس كانت السلطة تخاف من كلماته ، وكثيرا ما سجن بسببها ، وكثيرا أيضا ما افتت السلطات بتحريم تعاطيها ، لكنها في الخفاء (اي السلطة) كانت تسمعها ، والدليل ان الاغاني الخالدة التي كتبها النواب مثل البنفسج ، حرمت في البداية من قبل النظام ، وبعد مدة غض الطرف عنها . كونها تشكل طفرة نوعية في الأغنية العراقية . النواب من جهة أخرى كان رمزا شعريا ، اكثرنا لم يقرأ له ولا قصيدة لكننا نحس بأنه شاعر مجيد. الشعراء المحدثون ظلوا يدورون في فلك النواب ، معتبرين اياه الشمس التي تمدهم بخيوط الكلمة ، هو مرجعهم جميعا كبيرهم وصغيرهم. على الطرف الثاني النواب لا يبالي بأحد لا يهتم بالهالة التي أحدثها ، الذين يزورونه يخرجون مذهولين ، لأنه لا يتكلم الا نادرا ، يصمت كثيرا ، ولا يتفوه الا بكلمات معدودات لا تتعدى الإجابة عن أسئلة الضيف ، وهذه الميزة ، اي الهدوء ، لعلها السر الذي كان وراء نجاح الشاعر ، فهو يفكر كثيرا ويتكلم قليلا، جعل من ذاته محوره، الوحدة والعزلة عنده تساوي الكون . العراقيون عبروا عن حزنهم لفراق النواب ، مع ان أكثرهم يسمعون به فقط ، وسائل التواصل الاجتماعي عجت بالمنشورات التي زينت سيرة الراحل وامتدحته ، وفي الوقت عينه تسألت عن عرش الشعر في العراق لمن سيذهب بعده ؟ لا سيما وأن المنية قد أخذت من قبله عريان السيد خلف وخضير هادي وسمير صبيح واخرين لكن هذا السؤال لن يدفعنا للخوف، على اعتبار ان بلادنا أمة ولادة بالشعر ، في بطن كل عراقي يوجد شاعر يلبط ، ينتظر الوقت المناسب لكي يولد، وأحيانا يظهر على شكل كلمة او رفض او ثورة او دمعة. لكن مع كل ما قيل من محاسن عن النواب ، الا انه لم يسلم من النقد، حيث اعتبره البعض شاعرا ابعد القصيدة الشعبية العراقية عن العالم العربي، كونه يأتي بكلمات من اعماق العامية ويصعب على الكثير من المتلقين فهمها ، فضلا عن الالفاظ الشاذة التي وردت في بعض قصائده السياسية ، والتي تخدش حياء المتلقي وتجعله يتساءل اما كان بمقدور الشاعر ان يأتي بغيرها؟.

?>