قحطان محمد صالح الهيتي
حركة القوميين العرب ظهرت في الساحة السياسية العراقية أواخر الخمسينات
الفصل الخامس
تاريخ الحركة السياسية والحزبية في هيت
المبحث الأول
الأحزاب السياسية في العراق قبل 2003
كان النشاط السياسي في العراق في المدة العثمانية يعتمد على الزعامات التقليدية، ففي المدن على التجار وأقطاب الحياة الصوفية، وكبار رجال الدين (فقهاء وقضاة)، ونقباء الأشراف، ونقباء الحرف المنظمة في هيئات تسمى حينها “الأصناف” أما في الأرياف والبوادي، فكان الزعماء هم شيوخ العشائر وشيوخ مشايخ القبائل، وكان حكام الولايات العثمانية يحكمون بالتعاون مع الزعماء المحليين (الوجهاء) بمن فيهم قادة الجماعات المحلية المسلحة التي تحمي المدن كنوع من التنظيم الذاتي. وبقيَ العراق طيلة القرن التاسع عشر بعيداً عن التوجهات والتيارات الفكرية الغربية، على الرغم من اتصال العديد من أدبائه بالصحف والمجلات في سوريا ولبنان ومصر. ولم يكن يعرف ما يدور في العالم الخارجي سوى ما كان يذكره بعض السياح الأجانب. لذا كان تأثره بالغرب والتنوير والتحديث أقل من مما تأثرت به البلدان العربية. وبعد أن تخلص العراق من سيطرة الدولة العثمانية في أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعد احتلاله من قبل بريطانيا، عمل الاحتلال البريطاني على إدراج النظام الديمقراطي والقيم الليبرالية في الدولة العراقية الحديثة التي تأسست عام 1921ما أدى إلى نشوء الحركات والأحزاب السياسية الجديدة التي اندفعت إلى المطالبة بالاستقلال، ودخول المعترك السياسي ليتعرف على الأفكار التي كانت رائجة آنذاك منها ذات نزعة وطنية (عراقية)، ومنها ذات نزعة قومية عربية، ومنها ذات نزعة اشتراكية (ماركسية). عليه يمكن القول: بإن التجربة السياسية الليبرالية في العراق الملكي مرَّت بثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى: تبدأ هذه المرحلة من تنصيب فيصل بن حسين ملكاً على العراق في اب 1921 وحتى وفاته في آب 1933. وفيها شهد العراق حراكاً سياسيا ملفتاً للنظر، ففي عام 1925 وضع أول دستور دائم (القانون الأساسي) في تاريخه الحديث، فضلا عن بناء مؤسسات الدولة، والسماح بتأسيس الاحزاب السياسية، والعلاقة المتوازنة مع سلطات الانتداب البريطاني . وفي هذه المرحلة أسست أحزاب ديمقراطية وليبرالية عديدة استندت في دعوتها إلى الإصلاح السياسي، واكمال بناء مؤسسات الدولة والعدالة الاجتماعية، وإطلاق الحريات العامة، كان أهمها الأحزاب السياسية الحزب الوطني العراقي وحزب الشعب ، وحزب العهد العراقي، وحزب الوحدة الوطنية، وحزب الإخاء الوطني وغيرها .
المرحلة الثانية: تمتد هذه المرحلة بين 1933 – 1945. وفيها بدأ الصراع على السلطة بين القوى والأحزاب السياسية، وانتكست فيها الممارسة الديمقراطية. وفي هذه المرحلة قام الفريق بكر صدقي عام 1936 بانقلاب عسكري، بعدها ازداد تدخل الجيش في تشكيل الحكومات واسقاطها، وانتهت بإعلان حركة مايس 1941 (حركة رشيد عالي الكيلاني) وانتهت بمواجهة مسلحة مع الاستعمار البريطاني، وكانت النتيجة الاحتلال البريطاني الثاني للعراق.
المرحلة الثالثة: تمتد هذه المرحلة بين 1945 – 1958، وقد شهدت نوعاً من الحريات النسبية في الصحافة، وعودة الحياة الحزبية في، والرغبة في الاصلاح السياسي وإشراك المكونات الاجتماعية في السلطة التشريعية والتنفيذية، برغم معارضة النخب السياسية التقليدية القابضة على مفاتيح السلطة. ومن أبرز الأحزاب السياسية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الامة الاشتراكي ، وحزب الاستقلال وحزب الاتحاد الدستوري. بدأ المجتمع العراقي تعرفه على الأفكار الماركسية في بداية العشرينيات بفعل عوامل عديدة، أبرزها التجار الوافدون إلى العراق عن طريق ميناء البصرة والطلاب العراقيين الدارسين في خارج البلاد، فضلا عن دور المكتبات الاهلية في بغداد كالمكتبة العصرية في سوق السراي التي كانت تستورد الكتب والمجلات الماركسية الخاصة بالحركة الشيوعية ودور النشر التابعة لها. وظهرت أول خلية اشتراكية في بغداد عام 1922، ضمت كلاً من: حسين الرحال، ومحمود أحمد السيد، ومصطفى علي، وعوني بكر صدقي، ومناضل البياتي، وحميد سليم فتاح، وعبد الله جدوع. وكانوا يعرفون بين الشباب باسم (حَمَلة الأفكار الجديدة). وفي جنوب العراق ظهرت أولى الخلايا الماركسية في البصرة عام 1927 بجهود عبد الحميد الخطيب، وضمت في عضويتها كلاً من: يوسف سلمان يوسف (فهد) وزكريا الياس، وداوود سلمان يوسف، وغالي زويد، واتخذت من نادي الشبيبة في المدينة مركزا لنشاطها. وفي بداية الثلاثينات أسست خلية الناصرية الماركسية الاولى من قبل بطرس ابو ناصر، ويوسف سلمان يوسف (فهد)، وضمت كلاً من: عبد الجبار حسون الجار الله، مسؤول الحزب الوطني العراقي الذي يتزعمه جعفر أبو التمن في الناصرية، وأخاه عبد الكريم حسون الجار الله، وعبد الرحمن داوود، وأحمد جمال الدين، وحميد كسار، وحميد مجيد دبة. وقد ظهر في يوم 24 اب 1931 في شوارع الناصرية أول بيان ماركسي في العراق يحمل شارة المطرقة والمنجل أُلصِقَ في أماكن متفرقة من المدينة. وفي نهاية عام 1934 سافر (فهد) إلى موسكو للدراسة في جمعية كادحي شعوب الشرق، وسلم القيادة إلى عاصم فليح الذي أصبح مركز الاستقطاب الأول للخلايا الماركسية، ليتمكن بعدها من تأسيس الحزب الشيوعي العراقي باسم (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) يوم31/3/ 1934 وقد اعتمد هذا اليوم التأسيس الرسمي لهذا الحزب. انتشرت خلايا الحزب الشيوعي العراقي الذي اتخذ هذا الاسم رسميا في نيسان 1935 في أغلب مدن العراق، ولاسيما الجنوبية منها، ومن أجل نشر أفكاره أصدر الحزب صحيفة (كفاح الشعب) دعا فيها إلى إصلاحات ثورية وجذرية في البنية السياسية للدولة، كان من أهمها الغاء المعاهدة العراقية – البريطانية عام 1930، بعدها كانت لهم مواقف سياسية محددة في الكثير من الأحداث الجارية في العراق آنذاك .
- الحركات والأحزاب القومية في العراق:
بعد الحرب العالمية الثانية وفدت إلى العراق صيغة قومية مختلفة عن الأفكار السابقة، عرفت بالقومية الثورية والاشتراكية. فبعد أن كانت الحركات والأحزاب القومية التقليدية مثل حزب الاستقلال وغيره تؤمن بالعمل الديمقراطي والاصلاح التدريجي ، نجد أن الأحزاب التي تبلورت في هذه المرحلة أخذت تنادي بالثورة والاصلاح الجذري والتغيير الثوري، والمزاوجة بين القومية العربية والافكار الماركسية التي أطلقوا عليها مفردة (الاشتراكية) للتمييز عن الأحزاب الشيوعية العربية الاخرى. وبعد قيام ثورة 14 تموز1958 برز صراع سياسي بين الكتل والأحزاب السياسية العراقية. وتوزعت خارطة الحياة السياسية في العراق إلى مجموعتين رئيسيتين، المجموعة الأولى هي المجموعة العربية القومية، والمجموعة الثانية المجموعة العراقية التقدمية. وقد التفت المجموعة الأولى التي تمثلت بحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب، وبعض القيادات الدينية الإسلامية حول عبد السلام محمد عارف. أما المجموعة الثانية التي تمثلت بالحزب الشيوعي العراقي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الكردستاني؛ فقد التفت حول الزعيم عبد الكريم قاسم. تبنت المجموعة الأولى مبدأ (الوحدة العربية) مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) في حين رفعت المجموعة الثانية شعار (الاتحاد الفدرالي) و(الصداقة) مع الاتحاد السوفييتي. لم تلبث وحدة القوى العربية القومية طويلاً، فقد انقسمت إلى ثلاث حركات قومية هي: حركة القومين العرب، وحركة القومين الناصرين، وحركة القومين الاشتراكيين وعلى النحو الآتي:
أولاً: حركة القوميين العرب وقد ظهرت في الساحة السياسية العراقية آواخر الخمسينات، عندما شكل هذه الحركة عدد من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت بعد عودتهم إلى وطنهم وبرز نشاطهم بعد ثورة 14 تموز 1957 مقروناً بعداء لحزب البعث العربي الاشتراكي..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة