الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د . سعدي الابراهيم : جفاف الرافدين

د . سعدي الابراهيم : جفاف الرافدين

كان العراق واحة خضراء تتغنى به البشرية ، حتى قيل في سبب تسميته بهذا الاسم انما جاءت لكثرة عروق الاشجار المتشابكة تحت ارضه ، وقالوا عنه ارض السواد ، لأن المسافر القادم من بعيد يرى العراق وكانه اسود من عظم حقول النخيل والمزروعات ذات اللون شديد الاخضرار او الزرقة الداكنة التي تميل للسواد. ولولا النهرين العظيمين ، لما سموا بلادنا بارض الرافدين ، ولما تمكنت الحضارات القديمة من ان تبني امجادها فيه. هكذا كان العراق في الماضي ، اما في الوقت الحاضر ، فبلادنا قد انقلبت احوالها بشكل جذري ، الغبار المتطاير يغزوا المدن ويغطي وجه السماء ، والصحراء صارت تخنق المساحات الخضراء وتبتلعها . وفوق كل ذلك فقد الناس مهنة الزراعة التي كانت تدر عليهم الخيرات ، وتحميهم من وحش البطالة الفتاك. عجز الدولة عن اطلاق المبادرات الزراعية وغياب السياسات المائية الناجحة ، قد شجع الدول الاخرى على شفط المياه من انهارنا، فكثيرا ما كان الساسة الاتراك يرددون عباراتهم القديمة : لو كنا نعلم بان العراقيين سيستفادون من مياه الانهار لما قطعناها عنهم، لكننا على يقين ان المياه تمر وتصب في شط العرب دون ان ينتفعون منها. السدود التركية وسياسات التجفيف او حرف المجرى الذي تقوم به ايران ، قد حرم العراق من حقوقه النهرية ، وجعل وطننا مهددا بالجفاف واليبسان ، الى الدرجة ان المواطن العادي صار بإمكانه ان يعبر النهر سيرا على الاقدام في بعض تعرجاته الضيقة. المرور من فوق الجسور يثير في النفوس الحزن ، فلا يكاد النهر ان يرى بالعين المجردة ، وهو في بعض حالاته يكون اشبه بالساقية او النهير الصغير ، بالكاد ان يصل الى المحافظات الجنوبية. اما التلوث المائي فهذا موضوع اخر ، فمخلفات المدن والمتاجر وما تبقى من مصانع اغلبها اهلية ، تصب في بطن النهر دون المبالات في امكانية تلوثه، بعد ان نقصت كميات المياه فيه ولم يعد قادرا على تصريف ما في جوفه من مواد كيمياوية واوساخ. بجفاف الانهار تموت السياحة ، من المؤسف ان الناس في بعض المدن يتجمعون في الجزرات الوسطية التي تتنصف الشوارع ، واغلبهم عوائل محترمة ، تجذبهم عدد من الاعشاب او الازهار البائسة ، يظنون انهم في حديقة غناء وذلك لحرمانهم من ارتياد المتنزهات او على الاقل التمتع بمشاهدة الاعشاب الخضراء الزاهية، ولسان حالهم يقول: عندنا نهرين ونتحسر على رؤية البساتين والازهار الجميلة!. على كل حال مسألة الجفاف لا تخفى عن احد ، لكن معالجتها ليست بالمستحيلة ، بل تحتاج الى ارادة سياسية واسناد شعبي وبيئة اقليمية تتفهم حاجة العراق للمياه.

?>