قحطان محمد صالح الهيتي
المس بيل: “بلدة هيت لا تشبهها بلدة أخرى في العراق”
لم يذكر الرحالة ابن بطوطة في رحلته المعروفة التي مرَّ بها بهيت في سنة (748هـ/1348م) قصر سعدى ولا كريها، إذ قال:” ثم رحلت من بغداد إلى مدينة الأنبار ثم إلى هيت ثم إلى الحديثة ثم إلى عانة وهذه البلاد من أحسن البلاد وأخصبها والطريق فيما بينها كثيرة العمارة كأن الماشي في سوق من الأسواق. وقد ذكرنا أنا لم نر ما يشبه البلاد التي على نهر الصين إلا هذه البلاد.”.
وفي سنة (1212هـ/1797م) مرَّ بمدينة هيت الرحالة الفرنسي أوليفيه ووصفها ووصف أهلها، وذكر بعض عاداتهم ومما قاله فيها:” تسقى الأراضي بواسطة دولاب كبير بحركة ماء النهر وتشاهد النواعير بين مسافة وأخرى. ويقوم على النهر طوف مخصص لعبور السكان من ضفة إلى أخرى.”ولم يذكر قصر سعدى.
وفي سنة (1286هـ/ 1869م) جاء إلى هيت الوالي العثماني مدحت باشا للتأكد من صلاحية نهر الفرات للملاحة النهرية، ولم يذكر لنا المؤرخون أنه شاهد أو علم بوجود قصر اسمه قصر سعدى.
وفي القرن العشرين زارت المس بل مدينة هيت ومنها كتبت رسالة إلى أبيها بتاريخ 3/كانون الثاني/1921 تقول فيها: “أن بلدة هيت – بما فيها من آبار أو برك للقار- لا تشبهها بلدة أخرى في العراق. ثم تقول مشيرة فيما يبدو إلى سفرات لها سابقة مرت فيها بهيت قبل الحرب العالمية الأولى:” ولكن هيت زاخرة بالنسبة إلى بذكريات سفرات مرحة، صاخبة بذكريات أشباح تتجول على ظهور الجمال وذلك من قبل أن يتشقق العالم الذي كان عالمي فيمتلئ بالماء ويغرق”. ولم تورد أي ذكر عن قصر سعدى.
وفي سنة 1935م وهي السنة التي اعتبرت مديرية الآثار العامة قصر سعدى موقعاً آثارياً كتب ميخائل توماس موضوعاَ عن عادات الهيتين في ذلك الوقت؛ وكان قد عاش مدة طويلة في هيت ولكنه لم يذكر شيئا عن قصر سعدى.
وانتهي من حكاية قصر سعدى بما انتهى إليه الشيخ رشاد الخطيب وأقول إنه أثر مازال قائماً دون هوية. أما قصة خطبتها وزفافها ومهرها الذي كان نهرا فكل هذا خرافات لا يمكن لعاقل أن يصدقها. وفيما يتعلق بما يعرف اليوم بكري سعدى أو (جري سعدى) أو نهر سعدى في هيت والنجف والكوفة والناصرية والبصرة فإن المؤرخين، ومن ثم الباحثين لم يتفقوا على رأي محدد من هذا الموضوع، فمنهم من قال: بإنه خندق، ومنهم من قال: بإنه مجرى قديم لنهر الفرات، ومنهم من قال بأنه بقايا نهر مندرس. وذكر المؤرخون أن سعد بن أبي وقاص عندما افتتح أرض العراق طلب منه دهاقين الأنبار أن يحفر لهم نهرا كان عظيم الفرس قد حفره ، فأوعز ابن أبي وقاص إلى عامله سعد بن عمرو بن حزام أن يحفر هذا النهر فقام الأخير بحفره من وضع بقرب من الأنبار ماراً باتجاه خندق سابور القديم فوصل الحفر لهذا النهر إلى الجبل المعروف اليوم بجبل سعدة الواقع غربي الحبانية في طريق الرحالية (الرمادي )، ثم لم يتمكن من شقه فتُرك حتى ولي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي في سنة(83 ه/702م) فأمر بفتح النهر المذكور، فجمع الفَعَلة من كل ناحية، وقال لقومه: انظروا إلى قيمة ما يأكل الرجل من الحفارين في اليوم فان كان وزنه مثل وزن ما يقلع فلا تمتنعوا عن الحفر. فاتفقوا عليه واستتموه فنسب ذلك الجبل إلى الحجاج، ونسب النهر إلى سعد بن أبي وقاص. ولاحظ عالم الآثار الأمريكي (كبسون) في دراسة نشرها سنة 1972 أنّ هناك نهراً عباسياً كان يسمى (نهر سعيد) يأخذ مياهه من الجهة الغربية لنهر الفرات الحالي عند مدينة هيت، والظاهر أن هذا النهر كان من بقايا مشروع إروائي يرجع إلى القرن الرابع الميلادي يسمى (خندق سابور)، وقد أعيد حفره في زمن العباسيين إذ كان يجهّز الماء إلى خطّ الحصون في الصحراء الرملية (مناطق غرب الفرات الحالية) ومزارع النجف الحالية قبل أن يفرّغ مياهه في الخليج قرب البصرة. ويذكر ألوا موسيل في خلال رحلته الوصفية وفي أثناء مروره بهيت وعند وصوله إلى منطقة (العْكبه) والتي ذكرها باسم العقبة في 21 يسان1912ما نصه:” وسرنا بمحاذاة الجانب الشرقي من (جدول كري سعده) خلال حقول تكون جزءا من سهل أبو طيبان، وانخفض ارتفاع الأجراف التي تسد وادي الفرات على اليمين في وسط السهل الخصيب ربوة (كليل العدّة) كان إلى الغرب من وإلى الشرق منا يتصل جدول (كري سعده) بالفرات ثانية إذ يلاطم ماؤه نتوءً صخريا يسمى (الأسود)”. أقول لم يذكر لنا أحد من المؤرخين كم هي المدة التي قضتها سعدى في (المشراك) قبل أن تعود إلى هيت وتعلق خلخالها في ناعور الدرستانية. ولا أدري على أي سند اعتمد السيد صلاح محيسن، فقرر بأن سعدى لم تمكث في بيت الزوجية سوى شهرين؟ فعادت إلى أهلها إذ النواعير والخضرة وكأن البصرة واحة في صحراء نجدٍ وليست هي المدينة الأكثر خضرة وماءً في العراق كله والتي قال عنها لسترنج “ولا عجب بعدها إذ كانت بساتين نهر الأبلة إحدى جنان الدنيا الأربع” ، وإنه كانت تقوم على حافتي نهر الأبلة قصور وبساتين متصلة كأنها بستان واحد قد مدت على خيط واحد ولكن هذه البساتين والجنان ذوت في نيران الزنج التي التهمت المدينة وبساتينها. ومثلما تساءلنا عن المدة التي مكثت بها سعدى في بيت الزوجية، نسأل كم هي المدة التي استغرقها موكب زفاف سعدى من هيت إلى البصرة عبر نهرها؟ وهل أنها عادت إلى أهلها عن طريق البر أو عن طريق نهر الفرات؟
الفصل الرابع
لهجة أهل هيت
المبحث الأول
تعريف اللهجة وأنماطها ومميزات اللهجة الهيتية
اللَّهْجَةُ في اللغة: طَرَفْ اللّسان، ويُقالُ: جَرْس الكلام، ويُقال: فصيح اللَّهْجَة واللَّهَجة. وهي لغته التي جُبِلَ عليها فاعتادها، ونشأ عليها ، واللَّهْجَةُ: اللِّسَانُ، بِمَا يَنْطِقُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ. وَسُمِّيَتْ لَهْجَةً لِأَنَّ كُلًّا يَلْهَجُ بِلُغَتِهِ وَكَلَامِهِ ، وروى فِي اللهجة سُكُون الْهَاء وَفتحهَا وَأَن الْفَتْح أفْصح . و(اللَّهَجُ) بِالشَّيْءِ الْوَلُوعُ بِهِ. وَقَدْ (لَهِجَ) بِهِ مِنْ بَابِ طَرِبَ إِذَا أُغْرِيَ بِهِ فَثَابَرَ عَلَيْهِ.
اللهجة العراقية:
يمتلك العراق العديد من الأطياف والأقليات الاجتماعية، وبتنوع هذه الأطياف تتنوع اللغة فيه، فمع اللغة العربية هناك اللغة الكردية واللغة التركمانية والسريانية وغيرها، فضلا عن اللغـات المندثرة كالبابلية والآشورية بجانب لغات حضارية أخرى كاليونانية التي كانت لغة الدين المسيحي، ويتكلم بهـا أكثـر مسيحيي العـراق، والعبريــة التي كانت لغــة يهــود العــراق، وهذا التنوع أدى إلى تنوع لهجات العراقيين. ويعــد احتكــاك اللغــات مــن أهــم الأســباب التــي تؤدي إلى نشأة اللهجات فمنـــذ انتشـــار الـــدين الإســـلامي فـــي بقـــاع خـــارج جزيـــرة العـــرب، اصـطدمت العربيـة الفصـحى بلغـات الأقـوام التـي تسـكن المنـاطق التـي شـملها الفـتح الإسلامي فنشأت لهجات كثيرة ومتنوعة. واللهجة العراقية تشارك لهجة تميم التي هي واحدة من أشهر اللهجات العربية في عدد من صفاتها الخاصة. غير أن هذه اللهجة تأثرت في القرون الأخيرة باللغات المغولية والتركية والفارسية ومن ثم بالإنجليزية..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة