من مذكرات تأسيس الدولة العراقية التي كان رجالها يتصفون بالأخلاق الحسنة والنزاهة والمواطنة واليكم هذه الحكاية …!!حيث حدثني الدكتور سلوان الكسار انه في سنة 1944 تخرج 11 طالبا من الثانوية في الموصل بمعدلات تؤهلهم الدخول في دار العالية ولكن [7] منهم كانوا من المسيحيين ! فأعترض احد الوزراء وقال كيف؟ ما ممكن ان يكون سبعة مسيحيين واربعة مسلمين، ولكن الباشا اصر على النتائج كما هي وقال كلهم مواطنون عراقيون بغض النظر عن انتمائهم الديني، وأيده الوزير فاضل الجمالي والوصي أيضاً ايـّد نوري السعيد، واصروا على قبول المسيحيين ووصل الموضوع الى استقالة الوزارة، وتدخل السفير البريطاني وهدأ الموقف! ودخل الطلاب المسيحيين السبعة الكلية واستقال الوزير مهدي (والد عادل مهدي) وقبل ايام حدثني هاتفيا الاخ سالم عيسى تولا عن حادثة فقال” كنا في سيارة في طريقنا من القوش الى الموصل. فتعطلت في الطريق ومعنا نساء واطفال والوقت صيف والاطفال يبكون من العطش. بالصدفة مرت سيارة سوداء فتوقفت وسأل سائقها عن أي مساعدة؟ فقال سائقنا السيارة تعطلت يمكن بسبب البطارية. فقال سائق السيارة الثانية، اذا دفعناها تشتغل. نزل الرجل الاخر في تلك السيارة وبدأوا يدفعون الى ان اشتغلت سيارتنا، وفي هذا الاثناء قال سائق تلك السيارة لسائق سيارتنا هل تعرف من دفع معنا؟ انه سعادة المتصرف سعيد قزاز.
يروي الصحفي شاكر علي التكريتي الذي عمل لفترة طويلة في رقابة المطبوعات بمعية ناجي القشطيني: ذهبت ذات مساء بصورة اضطرارية الى بيت نوري السعيد مصطحبا معي بيانا طلب مني مدير الدعاية العام عرضه على الباشا قبل اذاعته.. ادخلني الشرطي المكلف بحراسة الباب الى صالة المنزل وانتظرت دقائق ليأتي الباشا بملابسه المنزلية وبعد ان صافحني واوصى لي بقدح شاي بدأ بقراءة البيان وماهي الا دقائق حتى جاء من يبلغه بان معالي احمد مختار بابان قد جاء لزيارته فطلب منهم ادخاله على الفور وكنت اعرف الرجل فتبادلنا التحية وجلس بمحاذاة السعيد وحين سلمني الاخير البيان بعد اكمال قراءته نهضت للانصراف فاجلسني لانتظر الشاي ثم قال لبابان تفضل اذا كان لديك اي موضوع اطرحه فشاكر ليس غريبا.
قال بابان: والله يا باشا انا خجل منك، هناك شاب كردي من معارفنا حاصل على بعثة حكومية لأنه متفوق والمفروض ان يسافر ولكنه اعتقل في تظاهرة منذ اسابيع والايام تمضي وسيسقط حقه بالبعثة وامه المسكينة كانت تنتظر ان يعود بشهادة عالية وهي تبكي عندنا في البيت. نادى الباشا على الشرطي وطلب منه ان يطلب له مدير الامن على التلفون وهكذا كان فطلب من مدير الامن فأعطاه اسم الشاب الذي سلمه له بابان وطلب ارساله الى منزل السعيد على الفور يقول شاكر: نهضت مستأذنا فطلب مني السعيد ان ابقى جالسا في مكاني وبعد حوالي النصف ساعة ادخل شاب بملابس رثة ويبدو انه يعرف احمد مختار بابان فقد سارع للسلام عليه باللغة الكردية بينما بادر بابان لتأنيبه فطلب منه السعيد الذي كان يفهم الحديث كما قدرت حينها ان يترك الشاب وخاطبه السعيد قائلا: اصعد على سطح هذه المنضدة وكان هناك منضدة متوسطة الحجم تردد الشاب قليلا فنهره السعيد قائلا: اذا ما تصعد سأعيدك الى الامن … وبعد ان اضطر الشاب للصعود وقف مترقبا ما يحصل ووقفنا نحن مذهولين فقال السعيد (يلا هوّس نفس الهوسة اللي جنت تهوّسها من لزمتك الشرطة) توقف الشاب مذهولا فصرخ فيه السعيد (هوّس) لو ارجعك للأمن ! فبدأ الشاب مضطرا ونكس راسه وبدأ يردد (نوري السعيد القندرة وصالح جبر قيطانه) وكان السعيد يضحك ثم طلب من الشاب ان ينزل فاقترب منه وامسك بأذنه وقال له: لك ابني روح كمل دراستك وخذ الشهادة وبعدين تعال اشتمني اني وصالح جبر!! وكتب ورقة صغيرة سلمها للشرطي يأمر فيها بأطلاق سراح الشاب واتمام معاملة بعثته!! وخرج بابان وخرجت معه وانا احمل بذاكرتي حادثة لا تنسى.
أين اولئك العمالقة الذين أسسوا دولة ووطنا وكان العراق آنذاك في مقدمة دول المنطقة، بل قدوة لبقية المنطقة، وأدخلوا اليه كل مظاهر التطور والتقدم قبل غيرها؟
نقول أين أولئك العمالقة من هؤلاء؟!.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة