الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 34 : هيت …. مدينة ورجال

الحلقة 34 : هيت …. مدينة ورجال

قحطان محمد صالح الهيتي 

ومن المآذن المعروفة مئذنة الجامع النوري أو الجامع الكبير نسبة إلى نور الدين زنكي في الموصل الذي بناه في القرن السادس الهجري، وتعرف اليوم بمئذنة الحدباء. ويقع هذا الجامع في الساحل الأيمن (الغربي) للموصل. وفي هذا الجامع كانت أول خطبة لزعيم تنظيم داعش الإرهابي أبي بكر البغدادي يوم الجمعة الموافق4 /7 /2014. أما المآذن العثمانية (1299 -1453م) فإنها تمتاز برشاقتها وقاماتها الممشوقة الكثيرة الأضلاع إذ تنتهي بقلنسوة مخروطية مصفحة بالرصاص، وبشرفة واحدة على الأغلب مكشوفة والنموذج الشاهد على هذه المآذن (مآذن جامع أيا صوفيا) في إستانبول. وبعد أن استعرضنا تاريخ المآذن في العصور الإسلامية يتضح لنا بأن مئذنة جامع الفاروق في هيت ليست كما ذكر بعض الباحثين والمهتمين بشأن تراث هيت. فمن خلال شكل بنائها والمواد المستخدمة في البناء (الجص والحجر) يمكن القول بإنها بنيت في نهاية حكم الدولة العثمانية، وبالتحديد في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، أو في خلال مدة حكم المماليك للعراق (1749-1831م)، وبهذا فإن عمرها لا يزيد على 250 سنة بأي حال من الأحوال، وقد تم إعمارها وترميمها أكثر من مرة. وتُعد مئذنة جامع الفاروق في هيت أثراً من أهم الآثار في العراق لا في هيت وحدها. ونظراً لأهميتها التاريخية والدينية فإنَّ كل هيتي يرى فيها ماضي مدينته وبيته وأهله وعزوته، حتى أن بعضهم، يدعو لأن يجعلها شعاراً للمدينة.

 

المبحث الثاني

نواعير هيت

سمفونية النواعير:

وجدت أن أروع وأجمل ما أبدأ به الكتابة عن النواعير وتاريخها، هو ما كتبه العاشق لها الدكتور سعدي محمد صالح السعدي، تحت عنوان سمفونية النواعير؛ لأنه وصفها وصدق حين قال: “كنت اتصور وأنا في سن الفتوة حيث أنام على موسيقى النواعير وأستيقظ عليها. وأشرب من مائها واستعمله مدرجاً لمسبح طبيعي، واقضي بمساعدة رذاذه على قيلولة نهار الصيف. كنت أتصور أن الناعور كان يغني لي وللمستقبل، للحياة الخضراء الآمنة، للخير والبركة، كنت أتصوره يعزف موسيقى ترقص عليها أرواح الأجداد، ولم أكن أتصور-كما أنا اليوم- أنه كان يبكي حاله إذ يعرف انه بلغ مرحلة الشيخوخة السائرة إلى نهايته بعد ان عاش أطول فترة شباب استمرت عشرات القرون”.

تعريف النواعير:

الشائع عند العامة أن الناعور هو مفرد النواعير، ولكنَّ أغلب معاجم اللغة تعرّف الناعورة بأنها:” واحدة النواعير التي يُسقى بها، يُديرها الماء، ولها صوت. والناعورةُ: ضرب من الدلاء، يستقى به. والناعورةُ مضيق في نهر في صَبَبٍ، كالميزاب، ومنه ناعورة الرحى المركبة على الجناح”. وتعرّف بأنها: ساقية، أو دولابٌ ذو دِلاء أو نحوها يدور بدفع الماء أو جَرِّ الماشية فيخرج الماء من البئر أو النهر إلى الحقل. لقد كانت الدالية أول وسيلة من وسائل الري التي استخدمها الإنسان لرفع المياه، وبعد الدالية عرف الفلاح الهيتي، الكرد (الجرد)، ثم الكرد ناعور أو الناعور الحيواني، ثم الناعور ذا التيار المائي الذي نُصبَ على صروح مازالت آثارها قائمة إلى اليوم وتعرف بالدوالي. ومن هذا يفهم بأن وسائل الري في العراق عامة وفي مدينة هيت خاصة مرّت بأربع مراحل هي:

  1. الدالية : وهي عبارة عن آلة سقي بسيطة، عرفها العراقيون القدماء. فقد وجدت رسوم عنها في نقوش بلاد الأكاديين منذ 2500سنة ق.م، وعرفها المصريون منذ ما يقارب 2000 سنة قبل الميلاد.
  2. الكرد (الجرد): هو إحدى وسائل الري التي تلت عملية السحب اليدوي بواسطة الدالية، وهذه الوسيلة أكثر تعقيداً وتطوراً من الدالية، ويرفع الماء بها إلى الأعلى من منطقة أكثر عمقاً. وربما تم اختراع هذه الوسيلة في العصور الأشورية المتأخرة أي: في عهد الامبراطورية الأشورية الثانية (745- 612ق- م)، فقد ذكرت وثيقة بيع أرض زراعية من تلك المدة بأن الآلة التي ترفع الماء من النهر يشرف عليها خبير عارف بتشغيلها، وهذا يدل على أنها ابتكرت حديثاً وأن العمال الذين يقومون بتشغيلها كانوا قليلين بحيث ذكروا بالوثيقة.
  3. الجرد ناعور أو الناعور الحيواني:

ويطلق عليه اسم (الدولاب)، لأنه عبارة عن دولاب قائم عمودياً يحمل سلسلة من الأوعية يدور على محور في مستواه الرأسي، ويتم تدوير هذا الدولاب بحركة الحيوان عن طريق دولاب أفقي مسنن يديره الحيوان (الثور، أو الجاموس، أو الحمار، أو البغل أو الجمل) الذي يدور حوله وهو يجر وراءه قضيباً من الخشب مربوطاً بدواليب أفقية مسننة، وهذه مربوطة بدورها بالدولاب العمودي الذي يحمل عددا من الأوعية المصنوعة من جلود الحيوانات أو من الفخار، وعندما يدور الدولاب العمودي تدور الأوعية مع الدولاب فتنزل إلى ما تحت الماء فتغرف الماء وتصعد لتصب ماءها في حوض مُعد لاستيعاب المياه وتحويلها إلى ساقية تذهب بالمياه إلى الحقول لريها. ويرفع هذا الناعور المياه عادة إلى ارتفاع بحدود خمسة أمتار، وتعرف هذه الوسيلة في مصر بعجلة المياه أو بالساقية.

  1. الناعور المائي:

وهو الناعور الذي يدور بقوة التيار المائي، وهو أرقى ما توصل إليه العقل العراقي في هذا المجال، ولم يستطع العلم والعقل الحديث أن يضيف إليها شيئاً جديداً ولقد جرت عدة محاولات لإبدال المواد المستخدمة في صناعة الناعور ولم يكتب لها النجاح. ولا يوجد هذا الناعور منفردا إلا ما ندر، وذلك لأن نظام الري قد تغيير بتطور العلاقات الاجتماعية وتوسع رقعة الأراضي الزراعية؛ فأصبحت الحاجة ملحة إلى إيجاد وسيلة أكثر تطورا من سابقاتها، وإلى وجود أكثر من ناعور في القرية الواحدة؛ فكان لابُدَّ من بناء يجمع تلك النواعير ويوحد مياهها، ويسهل عملية الإرواء بانتظام وبجهد أقل، فأنشأ ما نعرفه اليوم بالدالية نسبة إلى أقدم وسيلة من وسائل الري استخدمها الفلاح العراقي.

بناء الدالية: من أولويات نصب الناعور توفير الدالية التي يرتكز عليها، وهي بناء ضخم من الحجر والنورة  تمتد من جرف النهر إلى مسافة قد تصل إلى أربعين متراً وارتفاعها بحدود ستة أمتار وعرضها بحدود خمسة أمتار، وتطول الدالية وتقصر بحسب عدد نواعيرها. لقد ساعد توفر مادة الحجر في هيت بأنواعه المختلفة ومادة حجر الكلس الخاصة بصناعة النورة في مدينة هيت في تسهيل عملية البناء والتقليل من تكاليف بناء الدوالي، وفي عمل السكور. ولتسهيل عملية إيقاف الناعور عن الدوران عند صيانته، أو عند عدم الحاجة لمياهه يتم تثبيت عود خشبي غليظ بشكل معترض في عين كل ناعور في صدر الدالية يربط به الناعور بحبل متين يعرف بـ(الرباط) مصنوع من ليف النخيل. وعلى قمة العقود يتم بناء الساقية التي تصب فيها مياه الناعور وتتولى توزيعها. وتكون الساقية مرتفعة في الجزء المحاذي للناعور، ثم تأخذ في الانخفاض كلما ابتعدت حتى تصل إلى مستوى الارض عند بلوغها المناطق الزراعية. والمعروف أن بناء الدوالي يكون متقابلاً، إذ تبنى دالية في الضفة اليمنى للنهر تقابلها دالية في الضفة اليسرى، وذلك للاستفادة من قوة التيار المائي التي يولدها سِكْرا الداليتين..

?>