الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة (2) والأخيرة: شخصيات مبدعة من بلادي … شمخي جبر في حوار شامل وممتع عن الثقافة والمثقف والمجتمع والحياة

الحلقة (2) والأخيرة: شخصيات مبدعة من بلادي … شمخي جبر في حوار شامل وممتع عن الثقافة والمثقف والمجتمع والحياة

اجرى الحوار / امير عبد

س/ نرى دائما بعض المثقفين العراقيين يميلون إلى انشاء خطاب غير مفهوم ما السبب في ذلك؟

هذه الظاهرة موجودة وهي تشكل احد تمظهرات التعالي على المتلقي وهو ما يمكن ان نقول عنه انه تجاهل للواقع والانعزال عنه بحجة النخبوية، وهو موقف سلبي تراجعي يفقد المثقف دوره وجمهوره ، وهو ماوقع في براثنه بعض الكتاب.كتاب كهؤلاء حتى الجمهور لايعرفهم بل يعرض عن قراءة مايكتبون فهي طلاسم لاتني ولاتشبع. فنحن نرى حين يكتب أي كاتب فانه يعبر عن ما يجول في ضميره من أفكار؛ وحين يكتبها ومن ثم يقوم بنشرها فانه يؤمن بما يكتب ؛ فنرى في عملية نشرها ؛ دعوة للآخرين لمشاركته إيمانه هذا( هذا اذا لم تكن الكتابة عملية ترف فكري ) او ان يقال ان لاعلاقة بين الكاتب والنص ( ان المؤلف قد مات ) وهنا يكمن الافتراق بين النص والواقع ، فلابد ان يكون للكاتب رسالة يؤديها فلايقول كما قال بيكت( احد كتاب مسرح العبث) ( لست ساعي بريد ) ، فاذا كانت اوربا ليست بحاجة الى الرسول والرسالة فان امتنا العراقية بحاجة الى (ساعي البريد هذا ) من اجل ان يشكل وعيا قادرا على تغيير الواقع ؛ نحن نفترض ان يكون الكاتب صادقا مع ضميره ؛ اما عكس هذا فانه اما ان يكون بوقا لجهة او معروض قلمه وضميره للبيع بحيث نراه كل يوم في موقف ؛ ونحن هنا لا نرفض التغير الصادق والحقيقي للقناعات ؛ لكننا نرفض اللعب على الحبال بحيث يظهر الكاتب اليوم موقفا ليتراجع عنه في اليوم الثاني ؛ او يقول كلمة ليلحسها بعد ايام . ان الحلول ليست في نظرية ( الفوضى الخلاقة) ولا في ( الليبرالية المتوحشة ) بل ان الحل عند النخب المثقفة الصادقة مع ضمائرها التي لا تنظر الى الواقع من خلال بروج عاجية بل ان أرجلها وأرواحها وعقولها ملامسة للواقع ومن كان على هذه الصورة لابد ان يكون خطابه واقعيا واضحا وليس استعلائيا غامضا ؛ وهكذا خطاب لا يحتاج الى عساكر ودبابات لفرضه على الواقع.

س/صناع الرأي اليوم في العراق هما (الروزخون وشيخ العشيرة والسياسي) اذا كيف يستطيع المثقف انتزاع هذا الدور ليكون هو صانع الرأي؟

حين تكون الكتابة عن ضمير صادق وإيمان راسخ فأنها تعبر عن ضمير الواقع ؛ ضمير الأمة اوضمير احد مكوناتها؛ ان المثقف الراسخة قدميه في ارض الواقع هو أكثر الفئات الاجتماعية قدرة في التعبير عن مشاكل الواقع وتحديد أمراضه ومعاناته ؛ وبالتالي البحث عن سبل معالجة وتغيير وإصلاح شأن هذا الواقع. ومن هنا يأتي دور السياسي الذي لا بد أن يتعامل مع المثقف معتبرا إياه مرجعيته ، فيصبح السياسي تابعا للمثقف وليس العكس ؛ إلا إننا ونحن ننظر الى واقع الأمة العراقية؛ نرى ان المثقف نرى ان المثقف أما ان يكون مهمشا مكمما أو تابعا ذليلا للسياسي يسبح بحمده فتضيع فرصة السياسي في الانتفاع بما يتجلى عنه فكر المثقف وتحرم الأمة من فرصتها التاريخية ومن قراءة المثقف لواقعها فتبقى سقيمة حبيسة أمراضها. تئن تحت رحمة السياسي الذي يتلفت يمينا وشمالا وشرقا وغربا باحثا عن حلول او علاج لما تعانيه الأمة؛ فيبحث عند هؤلاء وعند أولئك ؛ ولا يدري ان الحلول موجودة في ضمير الأمة عند مبدعيها ومثقفيها الذين همشهم وألغى أي دور لهم ؛ متوهما انه سيجد الحل او المنقذ من خارج ضمير الأمة ؛ ولا يدري ان( كودو ) لاياتي من خلف الحدود ؛ وكم كودو جربناه حين استوردناه من الخارج ؛ فلم يكن منقذا و دواء لما تعانيه الأمة.الا ان السياسي لدينا بقى ينظر للمثقف على انه المرآة التي تعكس عجزه وخطله وبالتالي فهو يعمل دائما على طمس معالم هذه المرآة وتشويهها حتى لا يرى نفسه من خلالها . ولننظر الى الأمم كيف تتعامل مع مثقفيها ومفكريها ؛ والا ماذا نسمي ان يجتمع وزير الدفاع الأمريكي ومعاونيه او وزير الخارجية ومعاونيه مع برنارد لويس عشية الهجوم على العراق ليأخذ رأيه في ما يمكن ان تكون عليه ردود الشارع العربي اتجاه عمل كهذا ؟ نحن لسنا في معرض تصديق هذه الحكاية او تكذيبها بل في معرض ان نرى كيف تتعامل الأمم مع مثقفيها. ولننظر كم مركز بحوث يسند السياسة الخارجية الامريكية؛ وكم مركز بحوث تستشيره لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس قبل اتخاذ أي قرار . ان السياسي لدينا يريد من المثقف ان يحمل صوره او يلتقط معه الصور ليقول لنا انه راعي الثقافة والمثقفين ؛ او يستقبل حشدا من المثقفين كنوع من الدعاية ليس الا. فلكي يستطيع السياسي ان يتخلص من تخبطه عليه ان يجعل من المثقف دليلا وهاديا ؛ فلماذا يبقى المثقف تابعا وذليلا او بوقا ومسبحا بحمد السياسي؟ ؛ وهذا هو الخراب في حياة الأمة حاضرا ومستقبلا. فهل يستطيع السياسي ان يتعامل مع المثقف كما يتعامل رامسفيلد وكولن باول مع برنارد لويس؟ وكم برنارد لويس رمينا على ضفة النسيان ؟ من هنا نقول ان لامستقبل للأمة العراقية دون نخبها ومثقفيها الذين هم ضميرها الحي وحاملي آلامها وآمالها ومشروعها الحضاري الإنساني.

س/أيضاً ذكرت في إحدى مقالاتك بأن المثقف يسلك سلوكا يجعله صديق الجميع وأنت تمتعض جدا من هذا السلوك لماذا؟

هناك فرق كبير بين المثقف والمشتغل في المجال الثقافي او الموظف الثقافي..الأول هو الحقيقي والمعول عليه والثاني كاسب يحسب أيامه ويعدها ليستلم راتبه نهاية الشهر وهؤلاء بالآلاف. وحين اتحدث عن المواقف فلا اريد للمثقف ان يكون تابعا او مداهنا للسلطة واحزابها فهو حصة المجتمع والمدافع عن تطلعاته واحلامه. وبودي ان اشير هنا الى ان في مجتمعات التنوع تقع على المثقف أعباء ومسؤوليات جمة فهو ليس ابن جماعته الدينية او الطائفية او العراقية بل ابن مجتمع بتنوعه ..المثقف ليس ابن هذه الطائفة او تلك الهوية برغم انتمائه بل هو ابن الجميع وحامل همومهم وامالهم وتطلعاتهم..هو الحصن الحصين امام مروجي خطاب الكراهية والفرقة والتشرذم.

س/ الثقافة العربية، باتت حبيسة الأدب والشعر خصوصاً، اذا ما المطلوب من الثقافة ان تقدم حتى نستطيع القول بأن الثقافة باتت تسير في الاتجاه الصحيح؟

يعرف (تايلور) الثقافة بانها “ذلك الكل المركب الذي يتضمن المعارف والتقاليد والاخلاق والقوانين والعادات وأي قدرات او خصال يكتسبها الانسان نتيجة لوجوده في المجتمع، ويُعرّفها (كلباتريك) هي كل ما صنعته يد الانسان وعقله من الاشياء ومن مظاهر في البيئة الاجتماعية اي كل ما اخترعه الانسان وما اكتشفه وكان له في العملية الاجتماعية. ويُعرّفها الدكتور ابراهيم ناصر: هي ذلك المستودع المتراكم بعناصر مختلفة ومتنوعة من بينها الافكار والمعارف والعادات والتقاليد والقيم والنظم والتعليمات والسلوكيات العامة والخاصة والقوانين والاعراف والآداب والفنون وكل ما صنعته يد الانسان وما انتجه فكره. ويُعرّفها كلكهون ( Kluckhohn) “بانها وسائل الحياة المختلفة التي توصل اليها الانسان عبر التاريخ السافر فيها والمتضمن، العقلي واللا عقلي التي توجد في وقت معيّن والتي تكون وسائل ارشاد توجه سلوك الافراد الانسانيين في المجتمعات الثقافة بقيمها وافكارها وانماط سلوكها تضفي على الافراد باثارها وتكسبهم شخصيات اجتماعية يتميزون فيها عن غيرهم ممن يعيشون في ظل ثقافات اخرى وتجمع ابناء كل ثقافة صفات مشتركة في السلوك وردود الافعال والمواقف، وتتحكم فيهم اطر مرجعية في سلوكهم ووجهات نظرهم ومواقفهم سواء علموا بهذا او لم يعلموا. وتلعب دورا مهما في عمليات التغيير الاجتماعي والسياسي سلبا او ايجابا. ولكن للاسف تختصر الثقافة بالادب كالقصة والرواية والشعر والنقد الادبي، وهذا ما درجت عليه الصفحات الثقافية في المجلات والصحف مثلا.

س/الكثيرون يلجأون إلى الكتب المطبوعة في بيروت والقاهرة. وذكرت أيضاً بأن (دار الشؤون الثقافية حتى لو طبعت القرآن فان المواطن لا يشتريه). برأيك ما السبب في ذلك؟

الحقيقة هذه المقولة انطلقت خلال احدى الندوات التي ناقشت اوضاع الكتاب ايام النظام السبق وهي تنطلق من واقع استحواذ الحكومة والنظام السياسي على كل شيء فلم يعد هناك في المجال العام أي متسع لاي راي، فأصبحت جميع المطبوعات ذات طبيعة تعبوية او ترويجية لايديولوجيا النظام القائم انذاك.

س/الماركسيون والقوميون والاسلاميون دائما ما يستوردون الافكار من الخارج. برأيك ما السبب في ذلك هل أن العقل العراقي عقم عن إنتاج الافكار ام هي ظاهرة طبيعية تحدث في كل المجتمعات؟

ظل الواقع العراقي ومنذ تأسيس الدولة العراقي العام 1921 خاضعا لجدل الداخل والخارج ، فظل الداخل مرتبطا بالتطورات الدولية والاقليمية ولازال. فالعراق ليست بمعزل عن محيطه العربي والدولي والاقليمي وما يحدث هناك. فكان للوافد الثقافي اثره الكبير الذي غطى بشكل كبير وواسع، بل اكتسح الولادات الثقافية والفكرية في ظل الانبهار ومن ثم التبني لهذا الوافد بوصفه بديلا وحلا للمعاناة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فكان الفكر الماركسي والبذرات الاولى للشيوعية التي لحقها او زامنها الوافد من الفكر القومي ، ولكن لا يعني هذا غياب الفكر الوطني العراقي بل كانت هناك ولادات وطنية كان لها حضورها كالافكار التي طرحتها جماعة الاهالي فضلا عن الجهود الفكرية للمفكر العراقي عبد الفتاح ابراهيم الذي كان له الدور الكبير في تأسيس جماعة الاهالي ،ذا يقول محمد حديد في مذكراته (اعترف له بفضله كاول من اسس الحركة التي ذاع صيتها باسم (جماعة الاهالي) في جميع البلاد العربية) وكانت مشاركة بعض اعضاء جماعة الاهالي في انقلاب بكر صدقي 1936 هو اخر مسمار يدق في نعش هذه الجماعة وقد حذر فتاح ابراهيم من هذا الامر قائلا (ان حكمت سليمان يريد دفع الجماعة الى مغامرة لا تعرف نتائجها في اشارة الى دعوته لدخول بكر صدقي للجماعة. فكان انقلابه فتح الباب امام الجيش للتدخل في السياسة فاصبحت له اليد العليا في عزل وتنصيب الحكومات المتعاقبة ـ وهكذا يعد دخول الجيش الى فضاء جماعة الاهالي اساءة لمدنيتها واستقلاليتها وبالتالي تحويلها الى اداة بيد المطامح الشخصية وجريدة الاهالي التي صدرت في (2 كانون الثاني 1932) والتي كانت بمثابة لسان حال جماعة الاهالي كان قد قيل عنها انها اول مدرسة للديمقراطية في العراق، فلقد ساهمت في التعبير عن الافكار الديمقراطية ونشرت اكثر من مقال في هذا المضمار كان في طليعتها سلسلة ابحاث عن الدستور. من هنا نرى ان الثقافة العراقية يمكن ترميمها وإعادة الروح لها من خلال (العودة الى الواقع) واقع الذات المهملة وواقع الأمة المنسية؛ ومن دون هذه العودة الى الواقع سوف لن تشفى امتنا من مرضها وسيظل شعبنا تائها حائرا بلا نخب حكيمة تمثله وتعبر عن ضميره وتقوده نحو طريق الخير والاستقرار والكرامة. وإتاحة الفرصة للمثقف ان يأخذ دوره الحقيقي في عمليات التغيير. حين نقول المثقف ، فنحن نقصد المثقف المنتج (الكاتب والباحث الأكاديمي) وقد يكون هذا التحديد فيه بعض التجني في احتضان مفهوم المثقف؛ وقد يكون قد اتسع فأشتمل على كل منتج في مجال الفكر والثقافة ونريد ان نصل الى نتيجة في هذا المجال تتمحور حول فاعلية المثقف او ما يطلق عليه غرامشي (المثقف العضوي).

 

 

?>