الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / مؤرخون من العراق  : شامل عبدالقادر .. مدرسة التحليل والاستنطاق التاريخي

مؤرخون من العراق  : شامل عبدالقادر .. مدرسة التحليل والاستنطاق التاريخي

سعد محمود شبيب

 

شامل عبد القادر :

قلم يمتد الى زمن الأفذاذ الكبار …..

منذ سقوط نظام صدام عام 2003 وحتى يومنا هذا ، صدرت المئات من المؤلفات التي أرخت لتلك الحقبة السوداء من تأريخ العراق ، وتناولت بالتفصيل كل صغيرة وكبيرة جرت على عهد صدام تحديدا ، وحاول أصحابها وضع أجوبة مقنعة لأغرب حقبة من الزمن  استمرت قرابة ربع قرن ، لم نشهد خلالها سوى الحروب والويلات والكوارث والجوع والمقابر الجماعية والحماقات اللا مبررة التي ندفع ثمنها كشعب مرارة وألما حتى يومنا هذا. وبرغم أن بعضا من هذه المؤلفات قد صيغت بأسلوب جميل ولغة راقية وحفلت بكشف أحداث مثيرة وخفايا وأسرار ، إلا أن مؤلفات الأستاذ والمؤرخ الكبير شامل عبد القادر بقيت تتصدر الساحة ، وبقي الطلب والإقبال عليها يثبت أن الكتاب المطبوع لم يزل قائما  لم يمت ، حتى اضطر إلى وضع طبعة ثانية وثالثة لا سيما لمحاته الصحفية على عهد صدام ، وما يتعلق بأحداث قاعة الخلد كالفخ الرئاسي للرفاق ، وكتاب (مجزرة قاعة الخلد تموز  1979 ) ، وتناوله الأيام الأخيرة في حياة صدام ، والساعات الاخيرة في حياة الزعيم قاسم.

حين يكون الصدق سببا للتألق

في جميع مؤلفاته التي يصعب حصرها ، وكل مقالاته مذ لفت النظر إليه بفتح ملف جواسيس العراق في مجلة ألف باء قبل عام 2003 ،اعتمد الأستاذ أبو حجاز على مبدأين لم يحد عنهما البتة : المصداقية في تناول الحدث والموضوعية في البحث ، وكذلك تحليل أحداث التأريخ وتفسيرها منطقيا قدر الاستطاعة ، فلم يبالغ في خبر ، ولم يضع نفسه بطلا للأحداث ونأى عن الحديث عن أية علاقة بهذا الكبير أو ذاك رغم قدمه في عالم الصحافة وتمرسه العمل الصحفي ، بما يؤهله لقول ما لا يمكن تكذيبه أبدا ، غير أنه رفض هذا المبدأ الشائن بشكل مطلق ، وأخذ يكتب ما قد شهده وحدث حقا ، دون مبالغة أو تهويل ، بغية الوصول إلى الحقيقة لا غير. فكل ما ذكره عن صدام حسين أنه شاهده لثلاث مرات فقط ،وكان يمكن له ان يصوغ عشرات القصص دون أن يشك في كلامه أحد   ، وكل ما رواه عن طه ياسين رمضان أنه أجرى حوارا صحفيا مع الأخير لم يرق له البتة ، بدون أن يدعي بطولة لنفسه أو ينسب مواقف خارقة  لشخصه ، وكذلك علاقته ببقية المسؤولين والتي  لم تك ودية البتة ، خلاف ما نسمعه من بعض الأدعياء الذين يزعمون أن لا شاغل لصدام سوى السؤال عنهم وتمجيدهم وامتداحهم ، وهم الذين لم يروا صدام إلا من خلال شاشات التلفاز وسط ضجر عوائلهم وملل أولادهم!. ان ميزة الأستاذ شامل مع ما ذكرناه من تكامل الأسلوب واللغة ، هو السعي وراء الحقيقة ومحاولة تدوينها  من أفواه أصحابها الأحياء أنفسهم ، وعدم ابتكار أو ادعاء حديث لأحد أو التجني على أحد  حتى لو سافر وحلّ وارتحل ، وذكر المحاسن والمساوي معا بكل حياد ، فهو كالقاضي الذي يستمع للجميع ، ولا ينحاز  لغير الحق .. أن من أصعب الأمور التي نواجهها كصحفيين ، هي أن تحاور من أنهكه الزمن ، ومن  يرفض الحديث أو يدلي بمعلومات اكتنزها لنفسه أو هشم المرض  ذاكرته فصار الحديث معه صعبا  معقدا، غير ان الاستاذ شامل اماط اللثام عن حياة ضحايا قاعة الخلد وعرف بهم، وكشف جوانب خفية من حياتهم، وسبب عداء صدام لهم، ومصائر اهليهم وعوائلهم، وهو ما فعله مع ضحايا النظام الاخرين منذ عام ١٩٦٨، حتى السقوط عام ٢٠٠٣.

اسلوب الكاتب

طوّع  المؤلف ببراعة تامة وجهد عظيم احداث كتبه  لتكون مقبولة التلقي عند القارئ برغم بشاعة أحداثها ودموية وقائعها وقسوة وقعها ، فلا يأنف المتلقي من مطالعتها ولا تجرح مشاعره سطورها. لقد كان المؤلف عقب عام ٢٠٠٣، هو أول من دخل حقل الألغام وغابة الأسرار المتشابكة الأغصان ،  فوضع كتبا عن المجزرة الغامضة عام ١٩٧٩،وانقلاب ناظم كزار، وحركة عبد الغني الراوي، وحادثة اغتيال  رئيس جامعة البصرة، وسواها كثير، في محاولات مضنية ومرهقة لفك أسرارها العميقة ، والتعريف بشخوصها الذين غاب ذكرهم عند مختلف الأجيال. فكثير من المتابعين – ومنهم صاحب هذه السطور- لا يعلمون شيئا عن ضحايا صدام او الذين انقلبوا فعلا للخلاص منه  ، وإذا ما طالعنا أسماء مثل :  حامد الدليمي ووليد سيرت وعبد الواحد الباهلي وماجد السامرائي وكردي سعيد عبد الباقي وخليل القصاب، وناظم كزار وحسن الدرة ومحمد فاضل والمئات  سواهم ، نقول إذا ما طالعنا هذه الأسماء ، فانا نجهل مواقعها ومنجزاتها وسر كراهية صدام لها ، تلك التي وفّق في كشفها  المؤلف الكريم فأصبح كتابه مرجعا حقيقيا كبيرا مهما  لكل من اراد التعرف على شخوص ضحاياه  ، ولا نبالغ إذا ما قلنا أنه لن يتكرر مثيله مستقبلا أبدا.

حقيقة صدام :ما الذي جعل من صدام صداما؟ وما هو سر عشقه للقتل والإعدام والاغتيال والتغييب ، وتلذذه بصياغة المؤامرات وتدمير ضحاياها  والمصادقة على الأحكام التي تصدرها محاكمه الصورية الهزيلة التافهة ، مثل محكمة نعيم حداد التي لم يمثل أمامها المتهمون سوى ساعة واحدة دون محام، وكان الإعدام ينتظر نصف المتهمين دون أي  دليل أو مبرز جرمي أو تسجيل صوتي يدين متهما واحدا ، سوى اعترافات مشهدي التي انتزعت منه وهو يكاد ينازع الروح. يعود المؤلف الى الجذور ، والى البيئة التي ربي فيها صدام نفسه ويحللها تحليلا دقيقا مستشهدا بآراء كبار علماء النفس ومؤلفات أصدقاء طفولة صدام ، فقد امتازت حياته عند صغره باليتم والعوز والحاجة والجوع ، فضلا عن قسوة ووحشية زوج الأم  إبراهيم الحسن، وطرده إياه مرارا من الدار البائس ، مما ولد في نفس صدام عددا كبيرا من العقد النفسية الخطيرة للغاية ، كالسادية والسيكوبائية والبارانويا (الاضطهاد)  والرغبة في الانتقام لأتفه الأسباب وبأبشع الطرق ، فضلا عن النرجسية التي فاق فيها عشقه  لأي شيء في الوجود حتى أولاده وبناته وأحفاده. يؤكد المؤلف أن لدى صدام طاقة تدميرية دموية يصعب وصفها، لا تستثني طفلا أو كبيرا ، شابا أو امرأة  ، كان وجود البكر كرئيس يحدّ من انطلاقها على نحو ما  ، وأنه – أي صدام- بقي يحتفظ بدفتر ملاحظات صغير ، يضع فيه أسماء كل من أغضبوه يوما أو خالفوه بالرأي أو قصروا في موقف بسيط..

معه  حتى في أيام شبابه الأول ، وأنه ما أن أدى اليمين الدستورية ، حتى قام بمخالفة هذا اليمين والبدء بأقرب الناس إليه وممارسة نزعته السادية المفرطة ، أحب العقد إلى نفسه .

لقد ابحر الاستاذ في نفسية صدام وفي جرائمه بجرأة غير مسبوقة وفي زمن صعب وخطير، مثل قصة غزو صدام للكويت، لكنه كان يعد الكتابة الصادقة رسالة ينبغي عليه اداؤها وان عرض نفسه للخطر، حتى اجتزنا اصعب مدة زمنية مر بها العراق، وهي الطائفية وخطر الانفلات الأمني .

لم تقف مؤلفات استاذنا عند صدام، فهو يؤمن ان كثرة الخوض في موضوع واحد يعني التكرار والملل، فقرر ان يضع كتابا نادرا عَن الايام الاخيرة في حياة صدام منذ هروبه حتى القاء القبض عليه، وماجرى بعدها من احداث، ليتناول مواضيع اخر عن العراق وايران، وكتابات عن احداث لم يتناولها احد من قبل، كمحاولة عبد الغني الراوي، والقصة الحقيقية لاغتيال رئيس جامعة البصرة، عبورا الى ايلي كوهين الجاسوس المعروف، وكتابا عن الشهيد عبد الخالق السامرائي، وكتبا تناولت تأريخ العراق بشكل حيادي وحرفية عالية ونادرة.

لمحات من مؤلفاته

في كتابه الاغتيال بالدبابة عن المرحوم الزعيم قاسم، تناول الاستاذ هذا الانقلاب الدموي من وجهة نظر محايدة تماما، ففند الكثير من الوقائع الخيالية، وادحض العشرات من القصص التي لا تمت للواقع بصلة، وبين محاسن ومساوئ الزعيم وما وقع فيه من اخطاء خلال ايام حكمه او عند يوم الانقلاب، ولعل من الصعوبة بمكان إيجاد شهود على حدث وقع منذ ما يزيد على نصف قرن، لكن ابا حجاز نجح في ذلك وعد كتابه من أنجح ما كتب عن الزعيم قاسم دون انحياز.

اما كتابه عن احمد حسن البكر، فقد امتاز بمبدأ الاستقراء العميق لشخص البكر والتناقضات التي يحملها بين الطيبة والقسوة، والتشدد والتسامح، وصفاته التي اتفق عليها الجميع، وسمات عصره دون ان يلتفت الى اي صوت معارض، فهو وكما ذكرنا كاتب لا يكتب عن هوى، ولا يبتغي الا الصدق، ولا يبحث الا عن الانصاف.ولو طالعت كتابه المعنون عبد الكريم قاسم من البداية الى النهاية، لادركت حقيقة الحياد والانصاف الذي يمتاز به الكاتب.

ومن حياة الزعماء كالبكر وصدام وقاسم وعارف، يبحر الاستاذ في عالم الشقاوات الذي امتاز به تاريخ العراق حد صناعته للزعماء، وعلاقة اشهر اشقياء بغداد بالاحزاب السياسية، والاغتيالات التي كانت تتم لصالح الاحزاب على ايادي الاشقياء، ونهاية المعروفين منهم وسماتهم النفسية وخصالهم الطيبة التي لم نك ندركها عنهم.

اسرائيل في مؤلفات الاستاذ

خلال الكتب الثلاثة التي وضعها المؤرخ عبد القادر، وضع بقعة من نور مكثف على ثلاثة أخطر مواضيع تخص الكيان الصهيوني، وهي عن شبكات التجسس في العراق، وتداعيات تهجير اليهود، ودورهم في الحركة التجارية والعمرانية في العراق، وادوار البعض التجسسية خلال العهدين الملكي والجمهوري.

ورغم ان بعضا من الابرياء قد  اعدموا  بعد عام ١٩٦٨ بتهمة التجسس، الا ان اوكار الجواسيس بقيت عامرة تستمد تمويلا قويا من الصهاينة، ويقوم افرادها باعمال تجسسية في منتهى الخطورة تصل حد استدراج الضباط الاكفاء واغتيالهم، او استدراجهم ومحاولة تجنيدهم  للحصول على معلومات عسكرية بالغة الخطورة لصالح العدو الاول للعرب.

وبموجب رأينا الشخصي، فان الاستاذ شامل لم يسبقه احد بهذا الموضوع سعة وشمولا وغوصا، وهو ما جعل من هذا الموضوع الشائك والمضني في متناول يد كل باحث، يدرك اي جهد بذله المؤلف ليكون هكذا منجز بين يديه.

سيرة ناظم كزار وعشرات الشخصيات

يؤمن الاستاذ المؤلف بان اللواء كزار قد قام بانقلابه الشهير تخلصا من سطوة البكر وصدام معا ، لكن احدا من قبل لم يك ليدرك من هو ناظم كزار، ولادته ونشأته وتاريخه وسجنه وتوليه الامن العام وحيثيات انقلابه، وحقيقة ادوار المشاركين فيه.

لقد كانت الكتابة في اللواء كزار امرا بمنتهى الخطورة، فالرجل يمثل عند الشارع العراقي وحشا مطلقا ليس الا، غير أن المؤلف فتح ملف حياته وأجرى لقاءات مع افراد عائلته وكذلك مع مناوئيه راسما صورة حقيقية للرجل بمثالبه ومحاسنه معا.اما باقي الشخصيات التي تناولها في كتابه، فقد اتخذ الطرح شكلا جديدا مغايرا عن المألوف، اذ رسم بحرفية الكاتب المقتدر  صورا تجسدهم تماما وكانك ترى حياتهم وتحاورهم وتتعرف عليهم بشكل جديد.

فخر كل عراقي

بعد هذه الجهود الجبارة والتي يعجز عنها الكثيرون، وعقب سنوات طوال من وضع كتب لا يمكن لك الا ان تعشق سطورها وتتلذذ بما يرد فيها، نقول بعد كل ذا، تم تكريم الكاتب بشكل ما كان ليتصوره نفسه، حين اعتمدت مكتبة جامعة اكسفورد العريقة كتبه كمراجع اصيلة لاي باحث من طلبة الماجستير والدكتوراه، وهذا سبق لم ينله احد من قبل الا نادرا، علما ان امثال هذه الجامعات لا تحتضن غير المؤلفات الاصيلة والكبيرة ولا تعرف المجاملة والمحاباة، وبذلك نالت كتبه الدرجة العالمية التي طرقت بابه وتلقفت بلهفة معظم منجزاته الكبيرة.

واخيرا..

فانا كنا نتمنى على الوطن الذي احبه ابو حجاز ان يبادر بتكريمه ومنحه ما يستحق من هدايا تليق به كامتداد للعظماء امثال العلامة الحسني ومحفوظ والاخوين عواد وجواد علي وسواهم من الافذاذ، غير انا اعتدنا على تكريم الجهلة واللصوص وانصاف المثقفين، تاركين قلما ذهبا مثل هذا القلم دون رعاية او اي تكريم يستحقه.

لقد كتب الاستاذ شامل عبد القادر الوف المقالات، واصدر بجهود شخصية وتمويل خاص عدة صحف جميلة رصينة ابرزها  الف باء بحلتها الجديدة واوراق من تاريخ العراق، فنال التكريم الاكبر من اي تكريم محلي او عالمي، وهو حب شعب كامل لكتاباته المواظبة على مطالعة كتبه والتعمق في مؤلفاته ليس لانها كتبت باسلوب رصين لذيذ متماسك فحسب، بل لكونها ضمانة لمطالعة ابداع ونفع وكل جديد لم يطرقه مؤلف من قبل، وتلك هي نخيل العراق الباسقة، وما استاذنا الا واحدا منها.

?>