الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة ١: شخصيات مبعدة من بلادي  .. شمخي جبر في حوار شامل وممتع عن الثقافة والمثقف والمجتمع والحياة

الحلقة ١: شخصيات مبعدة من بلادي  .. شمخي جبر في حوار شامل وممتع عن الثقافة والمثقف والمجتمع والحياة

اجرى الحوار \ امير عبد

 من مواليد الناصرية عام ١٩٦١ حصل على درجة البكالوريوس في المكتبات والمعلومات كلية الآداب جامعة المستنصرية، عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين العراقيين، عمل في صحيفة الآن الثقافية .كما عمل محررا في مجلة ميزوبوتاميا التي يصدرها مركز دراسات الأمة العراقية، نشر العشرات من البحوث والدراسات والمقالات في المجلات والصحف العراقية وهو ناشط في مجال المجتمع المدني. ركز في مقالاته على نقد المثقف العراقي وكان نقده بناءاً وليس هداما الهدف منه بناء واقعنا المتهرئ وجعل العراق يتماشى مع مفاهيم العصر. اذا رحبوا معي بالكاتب شمخي جبر في هذه المقابلة التأريخية.

س/ما المانع الذي يجعل المثقف بعيداً عن أوساط المجتمع ويحصر علاقاته بالنخب وأصدقائه فقط؟

* المثقف الحقيقي لا يكون منفصلا عن شعبه وابناء مجتمعه لانه جزء من هذا المجتمع يشكل مصدر وعي وتنوير داخل هذا المجتمع حاملا لهمومه وتطلعاته، حاملا لمشروع التغيير والتثوير في لحظات الخمول والتخلف. نخب المجتمع من مثقفيه وناشطيه تتحمل الواقع المجتمعي المتردي اكثر من غيرها … الذنب ليس ذنب المجتمع المتخلف والمضلل دينيا وطائفيا بل ذنب نخبه المتخلفة او تلك التي لا تتصدى لمسؤولياتها …. الضرب في الميت حرام ايها النخب المثقفة ، علينا اولا اعادة الحياة لهذا الميت ، فهل نستطيع احياء الموتى ، لقد ولت الكرامات ، كرامات الاولياء الذين يحيون الموتى الى غير رجعة … الان الدور هو دور مشعلي الانوار ونافخي الروح في الجسد المجتمعي .، اما التخلي عن الدور او انتظار المعجزة او الهروب من المسؤولية فهذا لا يقدم شيئا ولا يشكل حلا.. حين تتخلى النخب عن دورها وحين تطوح بها الروح السلبية ..وتسكرها خمرة اليأس فلا عتب على المجتمع.. حين يترفع المثقف عن الواقع ولا يكون جزءا منه تتحقق هزيمة الأمة… حين يتخلى المثقف عن دوره يظهر دور الاميين الذين سيحتلون المساحة والفضاء الاجتماعي الذي يغادره.

س/عللت في إحدى مقالاتك بأن من أسباب عزلة المثقف عن مجتمعه تعود إلى أنه كان وطيد العلاقة بالسلطة ممكن توضيح أكثر مع ذكر أمثلة ان سمحت بذلك؟

* تعود المثقف ان يكون في كنف السلطة معبرا عن صوتها مادحا او رادحا لها عبر التاريخ، وهكذا عرفنا الشعراء العرب المداحين لزعماء قبائلهم ثم بعد الاسلام انتقلوا الى بلاط الوالي او الخليفة تابعين له مهللين ومسبحين بحمده هكذا كان المتنبي كمثال اكبر اذ هو صاحب القصيدة الدينارية (اذ حصل مقابل قصيدته دينارا واحدا فقط) واستمر حال المثقف والذي تصدره الشاعر بوصفه الصوت الاعلى والاكثر تأثيرا مقربا من الملوك والوزراء ورؤساء الدول، ففي النظام الذي سبق تغير 2003 كان للنظام صحفييه وكتابه وشعرائه ، فهذا شاعر البعث (حزب النظام السابق) وذاك شاعر القادسية وغيره شاعر ام المعارك، فكانت لهم المكانة الرفيعة والهباة الكبيرة.

س/وجهت نقدك حول المثقف فيما يخص مناسبة عاشوراء وأكدت بأن المثقف يستعلي على هذه المناسبة ويعتبرها هما شعبويا. الم يكن المثقف محقا بذلك باعتبار ان المجتمع يعتبر هذه المناسبة خطا احمر والخطوط الحمراء لا تتوافق مع أفكار المثقف. اذ لا فائدة تنفع من بذل الجهد في مثل هكذا مواضيع؟

* كانت عاشوراء مثابة انتفاضة تحمل رمزية كبيرة، يمكن استلهامها والاقتداء والتأسي بصاحب ذكراها في مواجهة الظلم، ولكن المثقف بوجه عام تجاهل هذه المناسبة بل اعتبرها هما شعوبيا لا يجب ان ينزل لمستواها مادرا برجه العاجي فتركها نهبا للروزخون شبه الامي الذي يرفع شعار (يحسين ياعزي ودلالي يالجتلتك عيشت عيالي)، فتحولت ثورة الحسين الى سبوبة ومصدر للعيش، وقد ذكر هذه النماذج الشهيد محمد باقر الصدر هذه النماذج في تعاملها مع الدين وطقوسه بقوله ( بعض رجل الدين يعيشون على الدين وبعضهم يعيش للدين) وقد كتبت في احدى مقالاتي التي نشرت 2009 (لماذا لا يتحول الدرس الحسيني والطقس العاشورائي الى درس تربوي اخلاقي؟ لماذا يتمسك قراء المنبر الحسيني بالخزعبلات والاساطير والموروث الشعبي وينسون قيم الثورة الحسينية وعبرها وما يمكن ان يستنبط منها من دروس وعبر اخلاقية وتربوية؟ لماذا لا يتحول المنبر الحسيني الى دعوة للانسانية والتسامح والوحدة الاسلامية بدلا من تحويله الى مناسبة لتسطيح الوعي والسخرية من العقول واستغفال الناس.(يقول الدكتور علي شريعتي: أننا نعزّي ونحزن لرجال ونساء وأطفال أثبتوا في كربلاء حضورهم في التاريخ وبين يدي الله وفي محاريب الحرية، ونكتفي من ذلك بالبكاء، وكأننا أصبحنا شركاء ليزيد.. أليس يريد يزيد التقاعس عن ظلمه والتخاذل عن صدّه والتراجع عن مقارعته.. والاكتفاء بالبكاء؟! أليس يزيد هو نفسه من يتمنى ويريد لنا مثل هذه النهاية؟)

س/دائما هنالك نقد حول المثقف فيما يتعلق (بالمكاسب المالية) اليس من حقه ان يسترزق باعتباره إنسانا حاله كحال اي إنسان يعيش حالة فقر مأساوية؟

* من حق المثقف ان يعيش في بحبوحه لكن لا يتم هذا بعيدا عن حياته مجتمعه وجمهوره ،او بيع قمه وفكره وعقله فيتحول الى بوق للسلطة ومدافعا عنها فهو حصة المجتمع مهما كان تفكيره او انتمائه. المثقف كما متفق عليه او المأمول منه هو منتج الافكار ومشاريع التغيير في حياة مجتمعه، وقد يواجه بالرفض والعنت والتهميش والافقار والتجويع نتيجة تمسكه بدوره الاجتماعي ورسالته في التغيير الثقافي والاجتماعي والسياسي. والمحلوم به من دور للمثقف هو حامل راية المعارضة ومشعل التنوير في حياة مجتمعه ،متمسكا بالمنهج العقلاني رافضا للخرافة والتخلف والامية ، بعيدا عن التضليل والخداع وتسويق الاوهام. لكن بعض ممن يدعي الثقافة او هو ضمن شريحة المثقفين شئنا ام ابينا، لكنه يتخلى عن دوره الايجابي التنويري متنكبا دور المسوق للتضليل والخداع والاوهام. في اغلب الاحيان التي يصبح فيها المثقف تابعا لسدنة التخلف والانحطاط وأداة لتسويق الاوهام والخرافة ماسكا بأدوات التبرير للفاسدين والمنحرفين وسراق قوت الفقراء بحكم متطلبات وظيفته ومعاشه الذي يرتبط بالسلطة النافذة، وبهذا يصبح بعيدا عن آلام المجتمع وآماله .اذ يصبح من حصة المتسلطين والنافذين والقائمين على بيت المال وخزائن الدولة من الفاسدين والمنحرفين. لكن احيانا قد نبحث لعذر لبعض هؤلاء فنقول لقد اعوزتهم البصيرة والتقديرات ودقة قراءة المشهد والموقف في تسديد مواقفهم فوقعوا في خانة (المثقف التبريري) وهو ما يمكن ان نسميه خيانة الدور الاجتماعي او التخلي عنه. وفي كلتا الحالتين يقع المثقف في منطقة الملامة والاستهجان والرفض من قبل المجتمع والمدافعين عن مصالحه والذابين عن أحلامه.

س/وصفت المثقف ب(الغندور) ماذا تقصد بذلك؟

* المثقف الغندور هو عنوان لمقال كتبته في حزيران 2011،وكنت اقصد به المثقف المتعالي على قضايا المجتمع المترفع عن حاجات شعبه، المتأنق بخطابه المتعالي الذي يهتم بملبسه وشكله ومأله ولا يهتم بجياع وفقراء يحيطون به ويصادفونه في كل الامكنة التي يرتادها ولكنه ينظر اليهم على انهم اشياء تشوه بيئته البصرية وتنغص عليه امكنته، فيستقذرهم ويبتعد عنهم اذا لا يريد ان يراهم او يسمعهم (فالغندور فكر وثقافة بلا موقف، مجرد اكسسوارات ثقافية ولغوية ليس لها رصيد في الواقع. فهو باحث عن الترف والهدوء والحياة الهانئة الهادئة بعيداً عن ضجيج المواقف باهظة الكلفة. يسارع نحو المقاولات الثقافية، ويتقرب لأصحاب السلطة، سواء كانت سلطة الثروة والجاه أو السلطة السياسية، يجيد التلوّن مثلما يجيد اختيار بدلاته وقمصانه وربطات عنقه. لكنه خائف دائماً، خوفه يمنعه من التفكير الحر ويقتل روح الإبداع والمبادرة والتجديد لديه، ومع ان كلّ تلك الموارد لا تعني له شيئاً، فهو دائم الخوف والتحسب. لا يتورع عن التجسس وكتابة التقارير على زملائه لأنها رصيده الأوحد أمام رؤسائه، وعلامته الفارقة طول باعه في هذا المجال.)..

?>