أمريكا اسقطت التمثال
ومن روايات إسقاط التمثال التي تؤكد المسؤولية الأمريكية أنه “يصل المقدم بريان ماك كوي من فوج البحرية الرابع ذات صباح إلى ساحة الفردوس، على الضفة الغربية لنهر دجلة ويأمر رجاله بإسقاط التمثال (القبيح) لصدام حسين الذي ينتصب وسط الساحة، لكن النقيب لويس التابع للمقدم يقول متعجباً: (لكن يا سيدي، أظن أنه لا يحق لنا تحطيم تماثيل صدام حسين!)، فيرد عليه كوي: (ايها النقيب لويس!، إن هذا اليوم يوم خاص. حطموا هذا التمثال)، طوِّقَ التمثال الضخم بسلسلة حديد ربطت بملفاف عربة مجنزرة اقتلعته من مساميره، قطع رأس صدام وانهال عليه العراقيون بالمطارق. وتساءل الجميع ما إذا كان بريان ماك كوي قد تصرف بصفة شخصية أم أنه تلقى أمراً؟، إن كل شيء في عملية (تحرير العراق) هو كما نعلم مصمم بدقة متناهية، بدءاً بالعمل الصحافي، أي ما يجب أن يُرى وما يجب أن لا يُرى. الصورة التي صنعها ماك كوين كانت أساسية: لقد ظهرت في الصفحات الأولى من صحف الغداة. حتى ولو كان المقدم يدخن السيكار فمن الصعب أن نقول إنه تصرف بدون تعليمات رئيس الولايات المتحدة، قائد الجيش هو الذي يوجه العمليات الحربية ويقرر الأعمال السياسية كالتي ينفذها المقدم ماك كوين”.
ويقول الجنرال ويسلي كلارك:” تبين لاحقاً أن قوات المارينز أعطت العراقيين أولاً حبلاً، ثم اضطرت إلى القيام بذلك بنفسها -إسقاط التمثال الضخم لصدام حسين- باستخدام العربة المدرعة”.
تشين وماكلوغلن!
العريف إدوارد تشين هو سائق دبابة من الكتيبة الثالثة للمارينز، وهو الذي ربط كابلاً موصولاً بالدبابة بتمثال صدام في ساحة الفردوس لكي يسقطه على الأرض بعد أن لف رأسه بعلم أمريكي. وورد أن الفاعل ضابط أمريكي وليس تشين.
يقول كوران طالباني:” غطى الملازم الأمريكي تيم ماكلوغلن رأس التمثال بعلم أمريكي ووضعوا حبلاً حول عنق التمثال وسحبوه لينقلع من مكانه.. ابدل ماكلوغلن العلم الأمريكي بعلم عراقي حينما كان التمثال على وشك السقوط”، وللجمع بين الروايتين أرى أن أحدهما ربط الكابل بتمثال صدام، والآخر لف العلم على وجهه، والخلاصة أن الفعلة أمريكية لا عراقية.
التمثال والعلم الأمريكي
يتساءل الكثير -إلى اليوم – عن سبب تغطية الجندي الأمريكي لوجه التمثال بالعلم الأمريكي قبل إسقاطه، لماذا فعل ذلك، ولماذا الوجه بالذات، ولماذا العلم الأمريكي، وماهي الرسالة التي أرادت أمريكا توصيلها، ولمن؟.
قالت سكرتيرة بول بريمر العراقية وداد فرنسيس:” لا يتعلق الأمر بالحرية والديمقراطية وتخليص الشعب العراقي من نظام ديكتاتوري، أمريكا كانت تريد أن ترسل رسالة إلى العالم أجمع بتدميرها نظام صدام مفادها: إكسبوا ودي وإلا أصبحتم مثل صدام”.
وقد نفى كبار القادة السياسيين والعسكريين الأمريكيين أن تكون تغطية وجه صدام بالعلم الأمريكي جاء نتيجة أوامر عليا، وإنما كان اجتهاداً من قبل الجنود الأمريكان رافق أحداث ذلك اليوم، تقول كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمركي ووزيرة الخارجية آنذاك: “شاهدت على شاشات التلفاز تمثال صدام حسين يهوي إلى الأرض. لقد تحرر العراق. ولكن عندما تسلق أحد الجنود فوق الأنقاض ليزرع العلم الأمريكي سرعان ما أُنْذِرَ بإنزاله. نحن لم نرغب أن يكون وجودنا هناك احتلالاً، أو أن يبدو كذلك”، قال ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي آنذاك: “قبل سقوط التمثال قام بحار شاب بلف رأس صدام بعلم أمريكي، تفهمت المشهد تماماً. جميعنا كنا نريد أن نرى علماً عراقياً هناك بسرعة، إلا أن قواتنا كانت قد أنجزت للتو انتصاراً عسكرياً مدهشاً، كانت قد فازت بحق غرس النجوم والشرائط [علم أمريكا] أينما شاءت”.
وقال جون لي آندرسن:”خرج رجل مارينز من فتحة المدرعة العلوية وتسلق ذراع الونش [الرافعة] وأخرج علماً أمريكياً، كان ينوي تعليقه على التمثال كما هو واضح، لكنه استعاد العلم بعد لحظة، ربما نبهه أحدهم أن تصرفه غير لائق سياسياً”، ويقول مايكل غوردن:”حالما رأى فرانكس العلم على محطة سي أن أن حتى اتصل بماكيرنان الذي كان قد اتصل بكونواي – قائد قوات المارينز، آمر قوة حملة المارينز الأولى- فقد حُظِرَ رفع العلم الأمريكي رسمياً لأن القيادة المركزية لم تشأ ان ينظر إليها على أنها جيش احتلال”.
صدام وإسقاط تمثاله!
ما يجدر ذكره هنا رد فعل صدام خلال إسقاط التمثال، حيث أكد عمار هاشم سلطان أحد المرافقين المقربين لصدام، وهو أيضاً أحد السباحين الخاصين به، وكذلك مسؤول المشجب الخاص به “أن صدام شاهد على القنوات الفضائية العالمية لحظة انتزاع تمثاله من منصته في ساحة الفردوس ووقوعه على الأرض، غير أنه لم يبد أي انزعاج”، وذكر المرافق غانم التكريتي: “أتذكر عندما أُخْبِرَ -صدام- عن سقوط التمثال ضحك وقال: (هؤلاء محتلون ومعهم أعوانهم لا يهم، بوش سينتهي في العراق، واليوم بدأت معركة بين الخير والشر)”.
تمثال وحوادث
لم يخل الحديث عن اسقاطك تمثال صدام من حوادث جرت داخل وخارج العراق على منواله، اذكرها على هنا على عجالة كونها تسهم في إكمال المشهد.
أولاً: خلال إسقاط التمثال فوجئ بعض العراقيين المتجمهرين حول التمثال آنذاك “بجندي أمريكي يهبط على تمثال صدام ويقبله من رأسه وهو جاثم على الأرض، وعندما سأله أحدهم عن سر تقبيله وقد جاؤوا من أجل إسقاطه قال له: إن صدام حسين هو الرجل الوحيد في العالم الذي قال (لا) لأمريكا”.
ثانياً: من المفارقات التي شاهدها العراقيون والعالم في إسقاط التمثال أنه انتزع من مكانه لكن قدميه بقيت ثابتان على القاعدة مدة من الزمان!، وكان في حديث إنزالهما هذا الخبر، حيث “أزال فنانون تشكيليون قاعدة التمثال بعد شهر من سقوط الحكومة السابقة.
ثالثا: “أن بغداد شهدت بعد عام من اسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس تجمهر نحو 300 عراقي في المكان والتاريخ نفسه، لم يأتوا للاحتفال بذكرى التحرير، وإنما لإسقاط تماثيل بوش وبلير وصدام، ودعوا لرحيل القوات المحتلة من العراق”.
رابعاً: ومن الأخبار: “الكنديون يستقبلون بوش بإسقاط تمثاله، وبوش يرد بتهكم: شكراً لضيافتكم!” ، حيث صنع المتظاهرون الكنديون تمثالاً رمزياً لبوش وأسقطوه بطريقة مماثلة لإسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس، وذلك تعبيراً عن استنكارهم لسياسة بوش الفاشلة في إدارة العراق.
وفي الختام، وكوني عراقيا شهد ذلك الحدث على شاشات التلفاز، أني لم أكن أتصور كل هذا الظل الثقيل للتماثيل، ولا حجم الفراغ الهائل الذي تركته في النفوس، والساحات العامة، والتاريخ!.
لمن أراد المزيد عن إسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس وملابساته وما تلاه، فليقرأ المصادر الآتية بصفحاتها: [ماذا حدث في بغداد؟، 227، يوميات من خط النار، 364-367، قصة سقوط بغداد، 156، العراق التائه بين الطائفية والقومية، 16-18، لماذا يكرهوننا؟، 301-302، زلزال في أرض الشقاق، 388، الحرب العراقية الأمريكية، 228-233، خطة الهجوم، 580-581، حالة إنكار، 209، الحرب على العراق، 974، جندي أمريكي، 672، التحالف ضد بابل، 319، قرارات مصيرية، 340-341، معذرة متى يأتي الصباح، 322-324، الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة، 3/478-479، مدونتي ليوميات احتلال العراق، 35، مئة يوم ويوم في بغداد، 292-296، سقوط بغداد (ط القلم)، 606-607، 610، مذكرات طوني بلير، 615، العراق البلد العربي الذي نخره السياسيون، 453، التاريخ السري لحرب العراق، 107].
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة