قيل ان الفن هو مرآة المجتمع ، وهو الدليل على تقدمه او خرابه ، حتى ان هناك عبارة تنسب الى ابن خلدون مفادها : اننا اذا ما اردنا ان نقيس مدى نجاح الامم او تأخرها فيجب ان ننظر الى فنونها . على اعتبار ان الفن هو ابن الحياة ونتاج البيئة المحيطة به وبالتالي يؤثر ويتأثر بها ، ومن المتعارف عليه انه كلما يمر الفن بأزمة كبرى ، يظهر عمل ناجح يأخذه نحو الأفضل. وبما ان الفن يمر بأزمة خانقة منذ فترة طويلة من الزمن ، ليس في العراق فحسب بل حتى في بقية الدول العربية التي كانت رائدة في الاعمال الفنية. وبعض الاسباب التي وقفت من وراء ذلك طبيعية تتعلق بالتطورات التقنية التي شتت اذهان الناس وعددت الخيارات المتاحة أمامهم، فهم حائرون بين مشاهدة التكتك واليوتيوب والفيس بوك، والتلفزيون، وبعبارة أدق فقد صار التلفاز أداة قديمة لا تجلب المتعة. وبعض الاسباب نجم عن تقصير القائمين على الفن فلم تعد الدراما التي ينتجونها قادرة على سرقة عين المشاهد ولا اجباره على مشاهدتها وذلك لركاكة وتكرار ما تبثه من مواد . امام هذا الواقع ، بات من الصعب على اي عمل فني ان ينال إعجاب الناس مالم يكن قد بلغ درجة عالية من الكمال . من هذا المنطلق جاء مسلسل بنات صالح الذي بث في شهر رمضان المبارك ، ليحدث ضجة كبيرة لم تشهدها الساحة الفنية من قبل فجلب أنظار الناس إلى التلفزيون من جديد، وحصل على نسب مرتفعة من المشاهدات ، وفوق كل ذلك استطاع ان يجمع العوائل مرة أخرى امام شاشة التلفزيون . اما عن اسباب نجاحه المبهر فهي كثيرة ، ولعل اهمها شخصية الفنان القدير محمد هاشم ، فهو شخصية رزنة ومهذبة ، معروف عنه الاخلاق والالتزام الذي يجعله قريبا من المتلقي ، فهو قدوة في زمان موت النماذج الحسنة. والسبب الثاني هو قصة العمل، فصالح هو ليس انسانا بل هو العراق، العراق فقد أبناءه وفقد مجده، ولا زال يبحث عنهم، الحتوتة تحاكي تجربة كل واحد منا ، كلنا نشبه صالح وكلنا نشبه بناته. هذا العمل وجد حلا لاستحواذ بعض الممثلين على الشاشة في العراق، فهناك تكرار لبعض الوجوه التي تعيد نفسها في كل عام على القنوات المهمة، مثل قناة الشرقية او الmbc عراق، وقد يشكل صفحة جديدة لإعطاء المجال لفنانين اخرين اكثر بريقا وشعبية. وفي الوقت ذاته بنات صالح سيدفع جميع الفنانين للمثابرة من أجل تقديم عمل افضل، خاصة إذا ما انتبهت له الجهات المسؤولة عن قطاع الفن في البلاد وجعلت منه قاعدة للانطلاق الى واقع أفضل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة