لا يمكنُ لاي عراقي عايش حرب الاحتلال الأمريكي البريطاني في العام 2003 أن يمر عليها مرور الكرام حتى بعد مرور كل هذه الأعوام، بل وحتى مرور آلاف السنين المقبلة التي ستلقي بظلالها الثقيلة سنوياً على مشهد الأجيال العراقية اللاحقة كلما مرت الذكرى حتى يتم الانتصاف لهذا البلد مما وقع عليه من ظلم، ويرفع ما وقع عليه من جور، وتعاد له جميع حقوقه، وترد له كل اعتباراته. من بين أبرز مشاهد الاحتلال المذكور هو اسقاط تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في ساحة الفردوس بالعاصمة بغداد، مشهد أثار من العجائب التي كان أولها انهيار دولة في لحظات لمجرد انهيار تمثال!، ثم غرائبية الطقوس التي أقيمت على هذا التمثال تحديداً، ثم ما رافق عملية الإسقاط من روايات عن ما ورائيات هذا الحدث وتوابعه، وأغلبه لم يكن معروفاً في تلك المدة، وانما كشفت عنه لاحقاً مصادر متعددة تحدثت عن تلك الحرب، وصدرت بعد انتهائها على مدى الأعوام التسعة عشر الماضية بين 2003-2022. وكوني عراقيا شهد ذلك الحدث على شاشات التلفاز، أقول أني لم أكن أتصور كل هذا الظل الثقيل للتماثيل، ولا حجم الفراغ الهائل الذي تركته في النفوس، والساحات العامة، والتاريخ!. وإذ أذكر هذه الصور، فإنما اذكرها للتاريخ (فقط) بلسان من رواها، وإظهاراً للحقيقة التي يجب أن تعرفها أجيال العراق، وأنا واثق أنهم سيقرأونها بشكل مختلف وأكثر وعياً من قراءاتنا لها، فالغبار لا يزال مُثاراً، والصورة لا تزال مشوشة، وهذه هي الحال التي ترافق دائماً احتلال وطن، واختلال هوية!.
متى نصب التمثال؟
تم إسدال الستار عن هذا التمثال في 28 من نيسان عام 2002، وذلك بمناسبة الذكرى 65 لميلاد صدام حسين، وهو من تصميم الفنان (خالد عزة) التدريسي آنذاك بمعهد الفنون الجميلة، وتم تنفيذه بالتعاون مع طلبة أكاديمية الفنون الجميلة ومتخصصين من دائرة الفنون التشكيلية التابعة لوزارة الثقافة والإعلام، أحيط هذا التمثال بنحو 37 عموداً رخامياً للإشارة إلى العام الذي ولد فيه صدام وهو1937م، وتم إسقاطه بعد نحو عام من إقامته، وذلك عند احتلال بغداد في 9 من نيسان/ إبريل 2003، وتصدر المشهد شاشات التلفزة وصدور صحف العالم أجمع.
هل إسقاطه مسرحية؟
يذكر البروفيسور جاسم جندل أن إسقاط التمثال: “مسرحية نظمتها شركة علاقات عامة إسرائيلية مقرها في بولونيا، وهي نفس الشركة التي نظمت الاحتفالات في الكويت عام 1991 بعد خروج الجيش العراقي منها”. يقول توماس جروسبولتينج:”هناك الكثير من الأدلة التي تدعم وجهة النظر تلك، فقد أثارت هذه المشاهد جدلاَ كبيراً حتى داخل أوساط المصورين المحترفين حول إمكان التلاعب فيها بعيداً عن برامج (فوتو شوب) وبرامج تعديل الصور الأخرى، فالأمر لا يقتصر عندهم على مجرد عملية تزوير مباشرة، لكنها عملية (إدارة للصورة) ماهرة للغاية”، ويضيف:” كانت أعداد المتفرجين في ميدان الفردوس واضحة للعيان، وفي العاصمة نفسها كانت المعارك مستمرة، كما أن أخبار هذه الحوادث لم يتبعها أي شكل من أشكال الاحتفال في العالم العربي، أما الصور التي عرضها التلفاز في الغرب فكانت تزعم النقيض تماماً، لكن كان من الواضح أنه قد تم دمج صور لأشخاص يحتفلون مع صور سقوط تمثال صدام”. ويقول علي نويجي:” إن المسؤولين الأمريكيين لم يبذلوا جهداً في الرد على الاتهامات التي صدر معظمها من داخل الولايات المتحدة نفسها، أو ربما لم ينجحوا في إيجاد إجابات مناسبة للأسئلة والتساؤلات التي أثارها بنجاح أمريكيون معارضون للحرب، فالفلم التسجيلي (أسلحة الخداع الشامل) يرى أن مشهد إسقاط تمثال صدام كان مفتعلاً، وساق الحجج على ذلك. وقال إنه كان معداً مسبقاً من قبل وحدة دعاية في الجيش الأمريكي”.
المحتفلون بإسقاط التمثال؟
يذكر أحد المصادر حول هوية الموجودين في ساحة الفردوس قائلاً:” كان هؤلاء خليطاً من عراقيين منفيين وجنود كويتيين تلقوا داخل مراكز تجمع القوات الأمريكية في الكويت مزيداً من التوجيهات والتدريبات العسكرية لتحسين مهاراتهم في مجال نقل المعلومات والإحداثيات العسكرية بواسطة تقنيات الهاتف النقال نوع (ثريا)، وبعضهم كان يحتفظ باتصال دائم مع مؤسسة للدعاية والإعلان تعمل لحساب البنتاغون تولت قبيل الحرب تقديم سيناريو افتراضي لعملية إسقاط التمثال عن قاعدته كتجسيد لرمزية انهيار النظام تماماً كما جرى في أوروبا الشرقية. لقد تم تدريب هؤلاء على تنفيذ إسقاط تمثال صدام حسين، وعلى أعمال نشر الفوضى في البلاد، وكانت في حوزتهم خرائط دقيقة للمواقع التي يتوجب نهبها وتدميرها”. ويحدد مصدر آخر هويتهم بشكل أكثر دقة فيقول:” تبين بعد حين أن الاشخاص الذين تجمعوا في ساحة الفردوس هم أنفسهم أعضاء (المؤتمر الوطني العراقي) الذين وصلوا جنوب العراق قبل أيام بقيادة أحمد الجلبي، الذي أظهر أحد مراكز الدراسات صورة مرافقه الخاص وهو يصرخ في الساحة داعياً لإسقاط التمثال، واسمه كاظم شريف، كما لاحظ كل من تابع البث المباشر لقناة الجزيرة كيف أن المواطنين العراقيين كانوا يتفرجون عن بعد، ومن شرفات بيوتهم على ما يجري دون أي مشاركة من لدنهم، ولم يكن عدد المتجمهرين يفوق كثيراً عدد الصحفيين الحاضرين… وقد اعتبرت صحيفة لوس أنجلز تايمز ما جرى بأنه (حدث دعائي معدّ للإعلام) وذكر تقرير الصحيفة بأن كولونيل غير معروف من المارينز (اسمه إدوارد تشن عمره 23 سنة، يعمل ضمن الكتيبة الثالثة التابعة للواء المارينز الرابع، وهو من أصل صيني) هو الذي قرر إسقاط التمثال وليس العراقيين، إذ استخدم فريق العمليات النفسية العسكرية مكبرات الصوت لتشجيع المدنيين العراقيين على المساعدة، وقد تم كل شيء كما لو أنه تلقائي وعراقي، ولكي يكرّس الجندي الأمريكي أمريكية الإسقاط لفَّ رأس التمثال بالعلم الأمريكي قبل أن ينبهه أحدهم، كما يبدو، إلى خطورة هذا الفعل. يقال أن هذا العلم هو الذي كان يرفرف على بناية البنتاغون يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، الأمر الذي يشير إلى كون الحدث مُعدّاً”.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة