عبد المطلب مهدي عبود
تقعُ العتبة العباسية في مركز المدينة القديمة في كربلاء باتجاه عمودي على الجهات الجغرافية الأربعة بحيث تكون واجهتها الجنوبية من الأمام والشمالية إلى الخلف، وتقع إلى الشمال الشرقي من العتبة الحسينية وبمسافة 247م بين أقرب نقطة في السور الخارجي المقابل لكل منهما وعلى امتداد منطقة بين الحرمين، وبمسافة 378م بين مركزي القبتين أي بين مركزي الشباكين للحسين بن علي وأبي الفضل العباس، وإلى الشرق منها يقع نهر العلقمي المندرس.وقد بنيت العتبة العباسية كأغلب العتبات في العراق، على هيئة القلاع والحصون المنيعة، حيث انشئت قبل عدة قرون وفق تلك الطرز المعمارية لأسباب أمنية وأخرى بيئية مع وجود فلسفة معمارية فنية ساعدت على إنشائها وفق هذه الهيئات لما لها من إيحاءات روحية، فنجد أنها تتميز بوجود الأسوار التي تتخللها الأبواب الضخمة التي توحي للناظر بالهيبة والرسمانية الكبيرين..وشكل العتبة من الخارج مستطيل تقريباً ذو أركان دائرية متناظرة تقريباً في استدارتها باستثناء الزاوية الجنوبية الشرقية، حيث تبلغ مساحة العتبة (10973)م2 تقريباً، ويشمل ذلك مساحات مداخل الأبواب البارزة عن سور الصحن الشريف، ومحيطها 395 متراً، أبعادها عند أبعد نقطتين في أضلاع السور (120.5م× 94 م)، يحيط العتبة من الخارج سور بارتفاع 11م مشيد من الطابوق ومزينٌ من الخارج بأقواس داخلية وخارجية مغلفة بالطابوق الفرشي الآجر الفخاري ومطعم بالكاشي الكربلائي المزخرف وبنقوش إسلامية، وفي أعلى السور كتيبة من الكاشي الكربلائي مخطوط عليها آيات قرآنية كريمة.
تأريخ اعمار العتبة :
في اليوم الثالث عشر من محرم الحرام عام 61هـ أي بعد ثلاثة أيام من الملحمة الفاجعة، دُفنت الأجساد الطاهرة للإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته ، وقد بُنيت على القبور شواهد لأول مرة بأمر وتوجيه من الإمام السجاد (عليه السلام)، إذ بنوا للقبر علائم لا يُدرَسْ أثرها، وذكر المؤرخون أنهم أقاموا على قبر الإمام الحسين (عليه السلام) أربعة جذوع من النخيل مسقفة بحصير من جريدها ولا يبعد أن يكون مثل ذلك أو شبيه به قد حصل لمرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام). وقيل ان بني اسد حددوا له مسجدا وبنوا على قبره الشريف سقيفة وله باب شرقي وباب غيره، وانه لم يزل كذلك إلى أيام الرشيد.في سنة 65 أو 66هـ أوعز حاكم العراق آنذاك المختار الثقفي إلى محمد بن إبراهيم الأشتر أن يسير إلى كربلاء ويقوم ببناء مسجد وسرادق حول القبر، وكان البناء من الآجر والطين، وبنيت قرية حول المرقدين .
القرن الثاني
يبدو أن العمارة التي شيدت في عهد المختار الثقفي ظلت قائمة حتى سقوط الدولة الأموية عام 132هـ ، وفي عام 198هـ عندما استتب الأمر للمأمون، بنى عليه قبة شامخة وحرماً فخماً، وبدأ الناس يسكنونه من جديد، ثم إن المأمون أصدر قراره بتعمير مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، فأمر عام 202هـ بإعادة البناء للمرة الثانية، وبذلك يكون قد عُمّر المرقد في عهد المأمون مرتين.
القرن الثالث
في سنة 247هـ أعيد بناء المرقد المشرف وتوسيعه مع وضع ميلٍ عالٍ على القبر لإرشاد الزوار، وذلك من قبل الحاكم العباسي المنتصر، ودعا في عهده إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام). في سنة 250هـ أمر الحسن بن زيد العلوي الملقب (بجالب الحجارة) أو الداعي الكبير بتعمير المراقد المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة. في سنة 279هـ أمر المعتضد بالله العباسي بتعمير المراقد المقدسة في كربلاء، فقام بتعمير المرقد وتطويره حاكم طبرستان محمد بن زيد الملقب بالداعي الصغير.
القرن الخامس
في سنة 407هـ قام بالأعمار والتطوير الوزير الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي، كما جدد بناء السور للحائر المقدس، وهذا هو السور الثاني لكربلاء.
القرن السادس
في سنة 513هـ قام بتجديد وتطوير عمارة المرقد والحرم الأمير دبيس الأسدي أحد أمراء دولة بني مزيد الأسدية والتي كانت الحلة عاصمتها. قبل سنة 556هـ كان الوزير الفاطمي طلائع بن رزيك يحمل كل سنة حملاً كبيراً إلى العلويين المجاورين إلى الحرمين ومشاهد اهل البيت عليهم السلام ، والتي منها مرقدا سيد الشهداء الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، وقد اوقف اوقافاً كثيرةً لاجل ذلك.
القرن السابع
في سنة 620هـ جرى تعمير المرقد بأمر من الحاكم العباسي احمد الناصر لدين الله بن المستضيء وذلك بتكليفه وزيره مؤيد الدين محمد المقدادي، وكان الناصر لدين الله يختلف عن آبائه في وده لأهل البيت عليهم السلام وعمارة قبورهم. في عام 656هـ وبعد سقوط الدولة العباسية، عين السيد بن طاووس الحسني نقيباً للطالبيين، واوكلت إليه مهمة الاشراف على العتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، فحفظها على اتم وجه وازدهرت في عهده . في سنة 696 هـ قام الايلخان محمود غازان (حاكم مغولي مسلم) بتقديم عطايا سخية لبناء المراقد، وكذلك قام هو ووالده بإيصال المياه للمنطقة عن طريق فتح قناة، وتحويل مجرى المياه من الفرات اليها .
القرن الثامن
في سنة 707هـ جرت التعميرات من قبل السلطان اولجياتو محمد خدا بنده (حاكم مغولي مسلم) أخو السلطان غازان محمود بن ارغون الذي توفي عام 703 هـ . من سنة740 إلى سنة 790هـ جرى التعمير والتطوير من قبل سلاطين الدولة الايلخانية الجلائرية – وهي من قبائل المغول – التي حكمت العراق والذين أسلموا بعد غزوه، وقد تم بناء الروضة العباسية المقدسة ابتداءً من مؤسس الدولة الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا، ثم السلطان أويس، وثالثهم السلطان حسين ابن الشيخ حسن الكبير، ورابعهم السلطان احمد بهادر خان ابن أويس الذي تم على يده البناء الماثل للعيان الآن .
القرن التاسع
في سنة 836هـ جرى التعمير من قبل احد أمراء دولة الخروف الأسود، وهو ميرزا سبند المعروف بـ (اسبان)، الذي اعتنى بالمشهدين المقدسين في كربلاء واستبصر على يد الشيخ ابن فهد الحلي.
القرن العاشر
في سنة 914 وحتى سنة 930 هـ تم تعمير المرقد من قبل الملك إسماعيل الصفوي. في سنة 941 هـ الموافق 1534م جرى تعمير المرقد من قبل السلطان العثماني سليمان القانوني ، كما أمر بتحرير وتسجيل الأوقاف الموجودة والمحافظة عليها. في سنة 957هـ جرى التعمير من قبل السلطان نظام الدين شاه. في سنة 982هـ قام الملك طهماسب بتزيين القبة بالقاشاني (الكاشي الكربلائي).
القرن الثاني عشر
في عام 1156هـ قام نادر شاه بزيارة العتبتين المقدستين، وساهم في تحسين وضعهما فتم تزيين الأبنية بأمواله وأهدى الهدايا النفيسة إلى خزانة الحضرتين المقدستين الحسينية والعباسية. في سنة 1183هـ (1769م) أمر وزير نادر شاه الأفشاري ميرزا حسين شاه زادة بإعادة بناء الرواق الأمامي للحضرة وصنع صندوقا مشبكا جديدا الضريح.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة