تتغيرُ الثقافات والاذواق بتغير الزمن. وهذه ظاهرة صحية شئنا ام ابينا ، فالثقافة مثل النهر الذي يجري، اذا توقف سيتحول الى تجمع من المياه الاسنة الكثيرة الجراثيم، لكنه بجريانه يحافظ على نقائه وعذوبته. عندما يتجول أحدنا في شارع من شوارع المدينة، سيلاحظ بأن هناك اختلافا كبيرا جدا، بين ما يرتديه من ملابس وبين ما يلبسه الجيل الجديد. خاصة اذا كان عمره قد تجاوز الأربعين سنة، وحتما انه قد ورث ثقافة الملبس عن ابيه واجداده. ومن الطبيعي ان يصاب هذا الشخص بالذهول، فجواربه التي يعتقد بأنها مهمة للغاية قد لا تكون كذلك عند الشباب فهم لا يطيقونها اليوم، وبنطاله الذي يغطي كل ساقيه قد استبدلوه ببنطال ينتهي اسفل الركبة او ما يسمى بــ (البرمودا)، حتى الألوان التي كان يظنها محترمة وترمز للرجولة مثل الأسود والأبيض، صارت في نظر المجتمع علامة تدل على الحزن او الرتابة، لذلك هم يشترون الملابس ذات الألوان الصارخة مثل الأحمر والاصفر. اذا ترك المسكين قضية الملابس جانبا، وراح يصغي للأغاني التي يستمتع بها الجيل الصاعد، فسيجد العجب العجاب، هناك فرق شاسع جدا ما بين الاغاني التي يخزنها في الاشرطة او البكرات والتي ورثها عن والده، وفي بطنها تعشعش اغاني سعدي الحلي والياس خضر وحضيري وداخل حسن، اما الشباب ففي جيوبهم اغان لا يتجاوز زمنها الدقيقة او الاثنان ولا يوجد اختلاف بين الحانها، وهي عبارة عن عويل وصراخ وفيديو فيه فتيات او فتيان يقفزون ويركضون، تحت ذريعة الرقص. حتى الاكل لم يعد مثلما كان، الشباب ينتشرون في المطاعم التي تقدم الأكلات السريعة، لفات الهمبركر والزنجر والفنكر، في حين ان صاحبنا تعلق قلبه وقلب اجداده بأكل الباجة والباميا وأخواتها. إن هذه الأمثلة الواقعية، تدل بما لا يقبل الشك ان ثمة اختلافات قد حصلت في ذائقة المجتمع، وأن ما كان الناس يحسبونه صحيحا لم يعد كذلك بالنسبة للأجيال المعاصرة. قد يستغرب القارئ حين يسمعنا نقول: ان الصراع ما بين القديم والجديد او ما بين الجيل المغادر والجيل الصاعد، هو صراع سرمدي لم ولن ينتهي. وفي الوقت عينه لا نستطيع أن نحدد من هو الجيل الذي على صواب، لأننا وبكل بساطة سنجد بأن الأذواق من صنع الانسان او بالأحرى ان الثقافة هي عمل إنساني، لذلك لا بد أن يشوبه الخطأ ولا بد ان يطرأ عليه التغيير، والدليل ان الانسان القديم كان له ذوق خاص ثم جاءت أجيال جديدة حطمت ثقافته واخترعت ثقافات أخرى ظنت خطأ بأنها النهاية.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة