ظاهرة البطالة لم تعد تعني ان يجلس الانسان في بيته من غير عمل، بل يقصد بها ان يعمل الانسان دون ان يحقق فائدة، او انه مسجل ضمن العمال لكنه في الوقع لا يفعل شيئا بل تقنع وتغطى بلحاف الشغل وهو ليس كذلك. وهناك نوع اخر من البطالة وهو الاخطر، فعندما خلق الله سبحانه وتعالى للانسان اعضاء كثيرة، السمع والبصر والارجل و… خلق لكل منها وظيفة يجب ان تؤديها على اكمل وجه، ومن بين تلك الاعضاء هو العقل الذي ينبغي ان يعمل ايضا، وعمله هو القيادة بعد التفكر والتدبر. لكن الذي يحدث مع الكثير منا، ان هذا الجزء المهم لا يؤدي دوره كما ينبغي، بل هو عاطل عن العمل في الكثير من الاحيان، وفي هذه الحالة تبقى الاجساد من دون قيادة ولا موجه، فيتصرف كل عضو وكأنه شيء مستقل. هنا ستكون الغرائز هي سيدة الموقف وستأخذ الانسان ذات اليمين وذات الشمال بدون حسيب وبدون رقيب. بطالة العقول تحول الانسان من سيد لنفسه الى عبد للغرائز ومن قائد في مجتمعه الى تابع لغيره لا حول له ولا قوة ينتظر عطف الاخرين عليه ورحمتهم وفوق كل ذلك لن يقدر على ان يكون انسانا سويا يساهم في اضافة شيء الى الحياة لا عن طريق بث الفكر المتنور ولا عن طريق البحث عن حلول ناجعة لمشاكل المجتمع اليومية المتراكمة. ولعل الفرق بين الامم انما هو ناتج عن طريقة عمل العقول، هناك امم تعاني عقول ابنائها من البطالة وهناك امم لها عقول نشطة وتعمل، الاولى تقود نفسها والعالم، تزرع وتصنع وتقدم والثانية خاضعة وذليلة وامورها ليست بأيدي ابنائها، ولا حاجة لنا لإعطاء امثلة عن هذه النماذج من الامم، فهي معروفة لدى الجميع، الغرب بين ايديهم ريمون كنترول كل شيء في العالم، هو الذي يفكر وهو الذي يخطط، وحتما ان ذلك ليس بالمجان، بل له ثمن وضريبة باهظة على الامم الاخرى ان تدفعها له. وهذا هو الذي يجري الان، الشرق الاوسط وشعوبه التي تعاني من بطالة العقل تدفع للغرب وامريكا ضريبة التفكير نيابة عنها، على شكل ثروات اقتصادية هائلة وعلى شكل تنازلات سياسية وثقافية واجتماعية لها بداية وليس لها نهاية، ولعل ان هذه المعادلة ستطول ولن تنتهي حتى تدور ماكنة العقول ويقضى على بطالتها، وهو ما ليس بالبعيد ولا هو المستحيل، لكن يحتاج الى تشجيع والى مثابرة والى احترام للنفس وزرع الثقة فيها، والا ففي الغالب تكون عقول الناس متساوية لها نفس الخلايا ونفس الخواص.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة