العالمُ كله يغلي وكله يتكلم الا اسرائيل صامتة. العرب والمسلمون صاروا كلهم محللين سياسيين يفسرون ما يجري في اوكرانيا ، الا اسرائيل لا حس لها. لكن هذا الصمت الاسرائيلي هو ليس وليد اليوم، بل هو ديدنها منذ التأسيس، فهي قليلة الكلام ولا تميل الى الضجيج او الغلو الاعلامي. اسرائيل تعمل اكثر مما تتكلم، واذا رجعنا بالذاكرة الى الوراء سنجد بأن العرب كانوا يفيضون بمشاعرهم في حروبهم معها سواء في حرب 1948 و 1967 او 1973. يغنون ويهددون ويلقون الخطب الرنانة، ويمضون على قرارات الطوارئ التي تقيد حياتهم، هذه الاحوال كانت تجري في كل دولهم. في حين ان اسرائيل الكثير منا لا يعلم شيئا عن وسائل اعلامها ولا حتى عن لغتها او طريقة عمل نظامها السياسي، ومع ذلك كانت النتائج لصالحها دوما. نحن هنا لا نريد ان نقول بأن اسرائيل او العقل الاسرائيلي معجزة او انه بدعة من عقول البشر، بقدر ما نريد ان نقول بانها تركز على الفعل وليس الكلام، وانها تبحث عن الاشياء الواقعية والمفيدة وتنأى بنفسها عن الامور التي تضيع الوقت ولا تنفع. فعلى سبيل المثال هي ربطت نفسها منذ البداية بالولايات المتحدة الامريكية والغرب، وفي الوقت نفسه لم تبتعد عن الاتحاد السوفيتي بل حاولت ان تجعله على الاقل يركز في حربه الباردة على الولايات المتحدة ويغض الطرف عنها. وهي ايضا فعلت الشيء نفسه مع مصالحه الشرق اوسطية، طبعا مع وجود بعض الاستثناءات. حتى عندما صعد العراق من تحديه للوجود الاسرائيلي منذ اتفاقية كاب ديفيد التي اخرجت مصر من المعادلة، فان ردها على ذلك التحدي كان من خلال الافعال وليس الاقوال، حيث قررت ان تقصم ظهر القوى التي كان يعول عليها العراق في حربه المستقبلية معها، من خلال قصفها لفاعله النووي. وعندما امطرها العراق بعشرات الصواريخ في تسعينيات القرن الماضي، لم ترد عليه في نفس اللحظة مع انها كانت قادرة، لكن ردها كان اقسى بالألاف المرات، فقد ساندت بل كانت الفاعل الرئيس في عملية فرض الحصار الاقتصادي الذي دام 13 سنة، ثم اعقبت ذلك بالتشجيع والمشاركة في اختلاله عام 2003. بعد العام اعلاه، مر العراق بمرحلة من الفوضى والانفلات الذي لم تشهده اي دولة في العالم، انفجارات واغتيالات وسلب ونهب، الكل كان يصرخ الا اسرائيل لا حس لها، البعض كان يظن انها غائبة عن المشهد، لكن الحقيقة التي لا جدال فيها ان اسرائيل كانت المحرك الاول لتلك الاحداث. اذن هي لا تتكل عن الازمة الاوكرانية لكنها تشارك فيها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة