الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د . سعدي الابراهيم  : تعطيل الطاقات

د . سعدي الابراهيم  : تعطيل الطاقات

الفرد لوحده لن يكون قادرا على توفير كل مستلزمات الحياة ، لذلك قيل (ان اليد الواحدة لا تصفق) . والتصفيق هنا يدل على التعاون وعلى العمل الجمعي ، اما سمة الاجتماعية التي ربطها العلماء بالإنسان فهي موضوع اخر ، حيث تطرف البعض منهم في هذا الجانب وذهب الى ان الانسان اجتماعي بطبعه وانه عندما يغادر هذه الطبيعة سيكون فيه خلل طبي او نفسي ويجب علاجه ، لكن هذه النظرية فقدت بريقها بعد ان ظهرت المدارس الفردية التي تفترض ان السعادة الانسانية تتحقق فقط في الوحدة والانفرادية او الانعزال وان كل الشرور تأتي من التجمعات البشرية. ما يهمنا في الامر ان الدول تتكون من شعب وبقية الاركان، واذا ما قلنا ان للدولة جسدا فأن الشعب هو الروح من الجسد، هو الذي ينتج النظام السياسي والاقتصادي والثقافي ، هو الذي يعمل ويبني ويدافع عن بلاده ويستشهد من اجل ذلك. والشعب من ناحية ثانية ما هو الا تجميع للعقول والطاقات والرؤى والافكار، وبالتالي كلما كان النظام السياسي قادرا على توظيف امكانيات كل فرد في المجتمع كلما كانت الدولة اقوى ، هي عملية حسابية تشبه عمل المحركات، فالمحرك الذي يعمل بقوة خمسين حصانا ليس كالذي يعمل بقوة مليون. كذلك الدولة التي توظف نصف طاقات وعقول ابنائها هي ليست كمثل تلك التي توظفهم جميعا. والتوظيف هنا يتضمن الاستماع الى طروحاتهم وتفريغ طاقاتهم الايجابية في كل ميادين الحياة ، يجب ان يموت الناس وهم فارغين من الافكار ، وهذه الافكار قد تكون عبارة عن مشروع سياحي او خطة عمل سياسية او اغان وطنية او اكتشافات طبية. لعل عملية التوظيف القصوى توجد في الدول المتقدمة ، اما في الدول التي مازالت تراوح في مكانها فهي لا تعمل بالطاقة الكاملة للشعوب ، بل على العكس هي تهمل وتعطل طاقات ابنائها، وعملية التعطيل قد لا تكون مقصودة ، لكن نتائجها واضحة ، ومن قبيل ذلك ان يتراكم المتخرجون من المؤسسات التعليمية دون ان يلتفت اليهم احد ، او ان يتم زجهم في مجالات خارج تخصصاتهم و تتوافق مع رغباتهم . وقد يكون التهميش والنسيان هو العلامة الابرز في عملية التعطيل ، كأن تصل الى الحكم نخبة لا تؤمن الا بما تفكر وتحيط نفسها بالأقارب والاشباه في الانتماء الاولي وبالتالي سيكون بينها وبين الشعب حاجز لا هي التي تسمعه ولا هو الذي يقدر على اجتيازه وايصال طاقاته الكامنة اليها. على هذا الاساس النظام السياسي الذكي يستخرج طاقات شعبه ويبني دولته والنظام الغبي هو الذي يتجاهل ذلك فيجعل دولته تسير عرجاء تعاني من هدر الطاقات وضياع الجهد الجماعي اللازم لتقدمها.

?>