يولد الانسان وعنده نعم كثيرة ظاهرة وباطنة ، لكنه قد يفقدها دون أن يشعر ، ومن اهمها نعمة الاستقرار النفسي والشعور بالرضى وتقبل الذات كما هي . هذه النعمة تصبح في خطر اذا مرت بظروف قاهرة خاصة في المراحل العمرية الاولى من الحياة. والظروف قد تكون عبارة عن سوء معاملة وظلم يتعرض له الطفل من أقاربه او من البعيدين. وقد لا تكون الظروف الخاصة هي السبب ، بل ان تعرض عموم المجتمع لظرف غير صحي ، مثل الحرب او الحصار او الازمات الأخرى، مما ينتج عن ذلك مجيء جيل جديد، في ذاته جرح وخدش يصعب نسيانه . ولعل العراق يعد من الدول التي عانى شعبها كثيرا : حروب وحصار وازمات لا تنتهي . لذلك نلاحظ ان العديد من الأفراد يشعرون بالنقص ، نقص في الشخصية . هذا الشعور يدفع بعض الناس للقيام بافعال مختلفة لكي يثبتون لأنفسهم ولغيرهم العكس . فقد يلقون بانفسهم الى التهلكة حتى يقال عنهم شجعان ، أو ان يظلمون من حولهم حتى يرسمون صورة للناس بانهم أصحاب شخصية قوية ، وهؤلاء لا يوجدون في مكان واحد ، بل في كل مكان ، في الاعلام في السياسة في التعليم ، حتى في بيوتنا. الشعور بالنقص يفقد الانسان اتزانه ويجعله يُظهر خلاف ما يضمر ، يتصرف وفق نظرة المجتمع وليس وفق قناعاته ، المجتمع يعتقد ان القسوة قوة فيفعل المسكين ذلك ، المجتمع يرى ان الحيلة والاساليب الملتوية هي ذكاء ، فيقوم المسكين بذلك أيضا. المجتمع يقول ان الطيبة والمرونة ضعف ، فيهرب صاحبنا منها ويصير شريرا ، وغيرها من تصرفات. طيب ، هل يرتاح هذا الشخص عندما يبين للناس بأنه قوي على طريقتهم؟ هل يسد الشعور بالنقص ؟ هل يحس بالعظمة والاباء ؟ الجواب قد يشعر بكل ذلك ، لكن شعوره مؤقت ينتهي بانتهاء الموقف ، ولن يستطيع التمثيل طوال الحياة ولابد ان يمل فتظهر صفاته الحقيقية ، لأن ارضاء الناس كما يقال غاية صعبة المنال. لذلك من الأولى بالإنسان السوي ان لا يركض وراء رضاهم ، وأن لا يستمد القوة منهم ، بل يبحث عنها في أعماق ذاته ان يفتش عنها في روحه ، وبالتاكيد سيجدها وستبقى معه الى الابد. لكن مع ذلك ، وكما قلنا فلأن ظروف بلادنا كانت قاسية جدا ، فعملية زرع الثقة في النفوس تحتاج الى جهد فردي ومجتمعي وجهد مؤسسات الدولة أيضا. ومن الممكن أن تتولى مراكز البحث العلمي والجامعات عملية اعداد الابحاث والدراسات في هذا الجانب ، وبمقدورها ان تستخدم وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة