د. سعدي الابراهيم
نولدُ في لحظة ما دون ان يتم استشارتنا، او حتى مجرد سؤالنا هل نحن سعداء بهذا المجيء؟ وهل نحن راضون بأن نعيش في كنف ابائنا وامهاتنا؟ وليس هذا فحسب فالامر اصعب، انه يتعلق بعدم مقدرتنا على اختيار الواننا او اشكالنا او لغاتنا. كلها امور ما كان لنا فيها بد. الحياة بصورة او اخرى هي التي اختارتها لنا، ولا يختلف الحال مع الزواج والشريك والعمل وموتنا. ماذا لو كان الانسان هو الذي يختار شكله وهو من يختار لونه ولغته، والمكان الذي يولد فيه؟ وزوجته وعمره وكيف يقضيه؟ يظن البعض من الناس ان هناك جانبا كبيرا من الحرية في الحياة، او انهم احرار وطلقاء، ويعتقد بعضهم ان الانسان وحده من يحتكر الدكتاتورية! وهي من اختياره. كلا ايها القراء الكرام، الموضوع اكبر مما تتصورون، الدكتاتورية هي سمة الحياة وديدنها، على مر العصور وما نحن الا لعبة في يديها، تقلبنا حيث تشاء وتأخذنا حيث تريد. لكن هل هذه الدكتاتورية ضرورية هل هي مفيدة؟ ام انها زائدة وفيها تعد على الانسان؟ او بصورة اخرى ماذا لو امتلك الانسان مفاتيح كل شيء؟ هل سيكون ذلك مفيدا له؟ حقيقة لا احد يمتلك الجواب الكافي، لأن هذا الشيء لم يسبق ان حدث، لكن من الممكن ان نقيس على بعض الملفات الاخرى، مثل ان الانسان عندما يسيطر على حكم دولة ما، هل يعمل صالحا ام انه يفعل كل الشرور؟ والجواب واضح ان الانسان مهما كان عمله صالحا، لا يمكن ان نقارنه مع كمية الشر التي سيقوم بها. وعندما يكون الاب مستبدا على الاسرة، هل سيعطي لكل افرادها حقوقهم؟ ام انه سيتحول الى الحاكم الأوحد الذي يأمر وينهي وما على الاخرين الا الطاعة والتنفيذ؟ وكذلك الاجابة عن هذا السؤال لا تختلف عن الاول، وهي ان الاب مهما حاول الظهور بالمثالية الا ان الاباء يشتركون في سمة عامة تتمثل في رغبتهم بان يسير الابناء على خطاهم. اذن، نستطيع ان نقول ودون ادنى شك بأن في دكتاتورية الحياة حكمة ونعمة جليلة، لأن الانسان غير مؤهل ليتولى زمام الامور التي تتعلق ببقائه او فناءه او رزقه. ولا بد من ان تكون هذه الاشياء المهمة بيد جهة اعلى واهم منه، وان تكون غامضة وغير مرئية، حتى يصعب او يستحيل عليه التأثير فيها. وبعد كل ذلك نحن لا ننسى ان الحياة هي الاخرى مسيرة من قبل الله سبحانه وتعالى يحركها حيث يشاء.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة